رئيس التحريرسلايدرسياسة

التطبيع على لوحات تل أبيب: انتصار لإسرائيل أم وقـيعة ضد العرب؟

Listen to this article

رئيس التحرير يتساءل؟

في أحد شوارع تل أبيب، ظهرت مؤخرًا لوحة دعائية ضخمة، نشرتها CNN بالعربية https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2025/06/27/israel-huge-billboard-mohammad-bin-salman-trump-arab-leaders-social-reactions، تحمل صور الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب تسعة من القادة والزعماء العرب. كُتب على اللوحة عبارة غامضة لكنها محمّلة بالرسائل:
“وقت للحرب، وقت للتسوية؛ الآن هو وقت الاتفاقية الإبراهيمية.”

هذه الصورة، التي رُوّجت على أنها تعبير عن “تحالف أمني إقليمي جديد”، أثارت تساؤلات مشروعة:
هل هذه اللوحة بدافع الحقيقة، أم أنها أداة للوقيعة؟ هل هي توثيق أم تضليل؟

حرب الصور وصناعة السردية

اللوحة لا تُعبر عن حقيقة سياسية قائمة بقدر ما تؤدي وظيفة دعائية مركبة: رمزية ونفسية واستراتيجية. إنها ليست توثيقًا للعلاقات، بل محاولة لصياغة وعي جديد لدى الجماهير العربية، قائم على بهرمنة التطبيع وشيطنة حياة الآخر – أي المواطن العربي الرافض للهيمنة، وللوجود الصهيوني في نسيجه الثقافي والاجتماعي.

بكلمات أوضح، اللوحة تهدف إلى إعادة تشكيل مفهوم “العدو والصديق”، حيث يُصبح نتنياهو – رمز الاحتلال – شريكًا في الأمن، بينما تُستبدل القضية الفلسطينية بـ”الاتفاق الإبراهيمي” كمشروع سلام بلا عدالة، وتطبيع بلا كرامة.

العدو ينتصر حين تُهزم الرواية

لإسرائيل، مثل هذه اللوحات تُعد انتصارًا رمزيًا ومعنويًا، لأنها تُعيد تقديم نفسها ليس كقوة احتلال، بل كدولة طبيعية، مرحب بها في تحالف عربي–إسرائيلي–أمريكي.
أما للمطبّعين، فهي لحظة انكسار روحي وثقافي، لأنهم يقايضون القيم والمبادئ التاريخية للأمة بمكاسب مؤقتة لا تلبث أن تُستهلك في سوق المصالح الدولية.

التطبيع هنا لا يقتصر على العلاقات الدبلوماسية، بل يمتد إلى التعليم، والإعلام، والثقافة، والطعام، والدين، واللغة. إنه مشروع متكامل لا يهدف إلى السلام، بل إلى تذويب روح المقاومة واستبدالها بحالة من التعايش القسري مع الظلم.

“اتفاقيات إبراهيم”… خدعة زمنية

العبارة المكتوبة على اللوحة: “وقت الاتفاقية الإبراهيمية”، توحي كما لو أن الزمن السياسي تغيّر، وأن المقاومة باتت خارج التاريخ، وأن “الواقعية” تقتضي القبول بإسرائيل شريكًا. لكن الحقيقة مختلفة:
هذا “الوقت” هو وقت الوقيعة، لا الوفاق.
وقت السرديات المصطنعة، لا المصالحة الحقيقية.

الوقيعة لا الحقيقة

حين تُجمع صور زعماء عرب (بعضهم لم يوقّع على اتفاقات تطبيع أصلًا) إلى جانب نتنياهو، فإن الرسالة المبطنة تقول:
“فلسطين تُركت وحيدة، والعرب جميعًا باعوا القضية.”

لكنها ليست حقيقة، بل وقيعة إعلامية–سياسية، تهدف إلى ضرب وحدة الموقف العربي، وتيئيس الشعوب، وتجفيف منابع الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية.

خاتمة: من ينتصر في معركة الصورة؟

الصورة التي ظهرت في تل أبيب ليست نهاية معركة، بل بداية حرب رمزية جديدة، تستخدم أدوات ناعمة وخطيرة: الإعلانات، الرموز، التوقيت، اللغة، وتزييف الوعي.

في هذا السياق، كل تطبيع هو انتصار للعدو، وانكسار للضمير، لأن التطبيع الذي لا يُعيد الحقوق، ولا يُحرر الأرض، ولا يُنهي الاحتلال، هو ببساطة هزيمة مؤجلة تُلبس ثوب السلام.

وعليه، فإن السؤال ليس فقط “من على اللوحة؟”، بل:
من يكتب السردية؟ ومن يربح في معركة الذاكرة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى