
بقلم: د. أحمد مصطفى
مع إحياء الذكرى الـ1447 لهجرة النبي محمد ﷺ، نستحضر تلك اللحظة الفاصلة التي غيّرت مسار التاريخ، حين غادر النبي مكة إلى المدينة المنورة في عمر الثانية والخمسين، ليبدأ مرحلة جديدة من الدعوة والانتصار للمستضعفين. سنّه لم يكن عائقًا، بل دافعًا لتحقيق الرؤية والرسالة.
هذه الذكرى تدفعنا للتساؤل: هل استطاع المسلمون الذين هاجروا إلى العالم الجديد أن يتركوا أثرًا في مجتمعاتهم، كما فعل نبيهم؟ أم أن بعضهم استسلم لغربة مريحة واندمج في صمتٍ أشبه بحياة الماشية؟
في قلب هذا التساؤل يبرز اسم زهران مامداني، الشاب البالغ من العمر 34 عامًا، ذو الأصول الهندية، والمهاجر مع أسرته إلى نيويورك منذ أن كان في السابعة من عمره. واليوم، أصبح رمزًا لتحوُّل سياسي لافت في مدينة نيويورك، ومرشحًا يحظى بزخم متصاعد بين أوساط الشباب.
نبض جديد في مشهد نيويورك السياسي
فوز مامداني في الانتخابات التمهيدية لمنصب عمدة نيويورك لم يكن حدثًا عابرًا، بل مؤشرًا على تغيّر قواعد اللعبة السياسية في المدينة. جيل “زد” (Z)، المعروف بوعيه الرقمي وحسّه الاجتماعي، وجد في مامداني صوتًا يعبر عن قضاياه وتطلعاته.
من خلال منصات مثل تيك توك، تمكن مامداني من كسر الحواجز التقليدية في التواصل السياسي، واستقطب جمهورًا شابًا يعاني من البطالة وغلاء السكن وتكاليف التعليم والنقل. لكن ما يميّزه ليس فقط القضايا، بل الطريقة: خطاب مباشر، محتوى بصري، ورسائل تحمل لغة الجيل.
عن الصهيونية وحقوق الإنسان
من بين أكثر مواقفه إثارة للجدل، يبرز موقفه من الصهيونية. مامداني يميّز بوضوح بين احترامه لليهود كديانة وشعب، وبين رفضه للصهيونية كأيديولوجيا سياسية. وقد وعد باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا زار نيويورك، احتجاجًا على ما وصفه بـ”الجرائم في غزة”، كما يرفض زيارة إسرائيل تضامنًا مع الفلسطينيين.
هذا الموقف أحدث جدلاً واسعًا، لكنه لاقى صدىً إيجابيًا بين الشباب التقدميين، وحتى في بعض الأوساط اليهودية الرافضة لسياسات الاحتلال، حيث يرى كثيرون أن انتقاد إسرائيل لا يعني معاداة السامية، بل دفاعًا عن حقوق الإنسان.
ثقافة رقمية.. وخطاب شبابي
حملة مامداني ليست فقط سياسية، بل ثقافية. كرابر سابق، يمتلك لغة موسيقية مؤثرة، وقدرة على توصيل رسائله من خلال إيقاع ومعاني تلامس هموم الشباب.
استخدامه الذكي لـ”تيك توك” أعاد تعريف العلاقة بين المرشح والناخب. بمنشورات قصيرة ومباشرة، استطاع أن يخلق تفاعلًا حقيقيًا مع جمهوره، ويجذب اهتمام جيل يعتبر السياسة التقليدية بعيدة عنه.
تحديات ومآخذ
رغم الحماس المحيط به، يواجه مامداني تحديات كبيرة. منتقدوه يرون أنه يفتقر إلى الخبرة السياسية اللازمة لقيادة مدينة معقدة مثل نيويورك، ويشككون في واقعية بعض وعوده، خاصة فيما يتعلق برفع الضرائب على الأغنياء.
تحذيرات صدرت من أن هذه السياسة قد تؤدي إلى هروب الشركات والمستثمرين من المدينة، مما يضر بالاقتصاد المحلي. كما أثيرت تساؤلات حول صلات بعض رجال الأعمال بـ”شبكات صهيونية كبرى” وارتباطها بمواقف مماثلة.
كذلك أثار تحالفه غير المباشر مع الصين – من خلال اعتماده على تطبيق “تيك توك” – قلق الأوساط المحافظة التي ترى في المنصة تهديدًا للأمن القومي بسبب صلاتها بجهات أجنبية.
أما تواصله مع إيلون ماسك، خاصة بعد خلاف ماسك مع الرئيس دونالد ترامب، فقد اعتبره البعض مناورة لتعزيز صورته، بينما يرى آخرون أنه قد ينفّر الناخبين الحذرين من تقلبات ماسك.
جيل صاعد.. يطالب بالتغيير
زهران مامداني ليس مجرد مرشح، بل تجسيد لتحول ثقافي وسياسي. فهو سياسي من أصول جنوب آسيوية، مسلم شيعي، يساري الفكر، ويتحدث بلغة الشارع والعدالة الاجتماعية. في ظل وجود أكثر من مليون ناخب شاب (بين 18 و29 عامًا) في نيويورك، قد تتغير موازين القُوىَ في الانتخابات القادمة.
جيل “زد” يطالب بسياسات جديدة تتعلق بالعدالة المناخية، والعدالة العرقية، وتقليص الفوارق الاقتصادية. وهم جيل متعب من الحزبية الثنائية، ويبحث عن قيادة صادقة تمثلهم فعليًا.
ختامًا
إن مامداني يثير الجدل، لكنه أيضًا يُلهم. قدرته على الربط بين العدالة الاجتماعية، وقضايا حقوق الإنسان، والهوية الثقافية، منحه مكانة خاصة في قلوب الشباب. ورغم أن مقترحاته الاقتصادية، وعلاقاته السياسية، تضعه في مواجهة مع قُوىَ راسخة، إلا أن طريقه مفتوح أمام مشروع تحويلي في السياسة المحلية.
في نهاية المطاف، يشكّل مامداني مزيجًا فريدًا من الجذور المهاجرة، والروح الثورية، والذكاء الرقمي. وفي مدينة مثل نيويورك، التي لا تتوقف عن التغيير، قد يكون هو العنوان القادم لسياسة أكثر عدلًا وإنسانية.



