غزة تحت الحصار… وألف شاحنة طعام في مكبّ النفاق الدولى!

رئيس التحرير يكتب
في مشهد يصلح أن يُدرّس في جامعات السياسة على أنه ذروة “الوقاحة الأخلاقية”، أفادت هيئة البث الإسرائيلية – بكل هدوء وكأنها تتحدث عن تحديثات الطقس – أن الجيش الإسرائيلي أتلف حمولة ألف شاحنة من المواد الغذائية والطبية كانت مخصصة لسكّان غزة. نعم، ألف شاحنة! لا حديث هنا عن عطل لوجستي أو سوء تخزين، بل عن عملية إتلاف ممنهجة لمساعدات إنسانية، بينما يتضوّر أكثر من مليون فلسطيني جوعًا في القطاع المحاصر.
الخبر، على بشاعته، لم يُحدث سوى صدى خافت في أروقة ما يُسمّى بـ”المجتمع الدولي”. لا بيانات طارئة من مجلس الأمن، ولا تغريدات غاضبة من وزارات خارجية، ولا حتى استنكار من أولئك الذين يتقنون فنون التباكي الموسمي على حقوق الإنسان.
وكأن جريمة دفن المساعدات تحت الرمال بدلًا من إيصالها لأفواه جائعة ليست إلا تفصيلًا عابرًا في نشرة الأخبار.
أما إقليميًا، فالصمت مُطبق. البعض يكتفي ببيانات “القلق العميق”، والآخرون يدفنون رؤوسهم في مشاريع تطبيعهم. حتى دول الجوار التي تمرّ الشاحنات من أراضيها، لا تُبدي أدنى انزعاج وكأن الأمر لا يعنيها.
هل أصبح الغذاء سلاحًا؟
ما حدث ليس مجرد إهمال، بل سياسة مجرّبة من سياسات “التجويع حتى الركوع”، والتي لم تعد خافية على أحد. حين يُتلف الطعام بدلًا من توزيعه، يصبح واضحًا أن الهدف ليس فقط الحصار، بل الإذلال الجماعي.
ما ذنب طفل فلسطيني أن تُرمى علب الحليب المخصصة له في مكب نفايات؟ بأي منطق يُحرم مريض مزمن من دوائه ثم يُقال له: “تحمّل لأجل الأمن القومي لإسرائيل”؟
ألف شاحنة… شهادة وفاة للضمير العالمي
ما قيمة المؤتمرات الدولية ووعود إعادة الإعمار حين يُسمح بإبادة الغذاء؟ كيف يثق أي إنسان في مؤسسات العمل الإنساني، إن كانت المساعدات تُرسل لتُعدم، لا لتُوزع؟ ومتى يفهم العالم أن الصمت على جريمة هو شراكة كاملة فيها؟
تجويع غزة فضيحة كونية
هذه ليست حربًا على “حماس”، كما يروّجون، بل حرب على الحياة نفسها. حين يصبح الخبز سلاحًا، والماء تهمة، والدواء رفاهية، فإننا لا نتحدث عن نزاع سياسي، بل عن جريمة إبادة موثقة بالفيديوهات والتقارير الرسمية.
إنها فضيحة أخلاقية بحق كل من صمت، وغضّ الطرف، ودفن شاحنات المساعدات تحت رمال النفاق السياسي.



