تحليل| في منتدى شوشا الإعلامي العالمي الثالث… رؤية أذربيجان لمرحلة ما بعد النزاع في قره باغ — تحالفات استراتيجية مع أوزبكستان والاتحاد الأوروبي، وتحديات السلام مع أرمينيا، وتوترات مع روسيا

رئيس التحرير يكتب
التاريخ: 19 يوليو 2025
المكان: خانكندي، أذربيجان
الشعار: المسارات الرقمية: تعزيز صمود الإعلام والمعلومات في عصر الذكاء الاصطناعي
استضافت مدينة خانكندي، القلب الرمزي لإقليم قره باغ، فعاليات النسخة الثالثة من منتدى شوشا الإعلامي العالمي، بمشاركة 140 من الإعلاميين والمفكرين والخبراء من 52 دولة، يمثلون 30 وكالة أنباء و80 مؤسسة إعلامية.
عُقد المنتدى هذا العام تحت شعار “المسارات الرقمية: تعزيز صمود الإعلام والمعلومات في عصر الذكاء الاصطناعي”، حيث ناقش التحديات والفرص التي تواجه الصحافة في ظل التحولات التكنولوجية العميقة والتطورات الجيوسياسية المتسارعة.
وقد شكّل اللقاء المفتوح بين رئيس جمهورية أذربيجان إلهام علييف والمشاركين الدوليين أبرز محطات المنتدى، حيث عرض الرئيس رؤيته للإعلام والتنمية الإقليمية والعمل المناخي.
الرئيس علييف: قره باغ تتحول من ساحة صراع إلى منصة للحوار العالمي
في كلمته الافتتاحية، رحّب الرئيس علييف بالضيوف في قره باغ، مؤكداً أن المنتدى بات تقليدًا سنويًا يعكس التزام أذربيجان بالحوار والانفتاح والتعاون الإعلامي.
“منتدى شوشا أصبح منصة دولية لبحث قضايا الإعلام، ولكنه توسّع ليشمل القضايا العالمية الأهم. نحن فخورون بعقد هذا الحدث في قاعة المؤتمرات الجديدة بساحة النصر في خانكندي.”
وأشار إلى جهود إعادة الإعمار الواسعة الجارية في المنطقة، لاسيما عودة السكان المهجرين قسرًا منذ أكثر من ثلاثة عقود، واعتبر ذلك جزءًا من العدالة التاريخية والتنمية المستدامة.
قمة المناخ COP29: إنجازات أذربيجان بين الواقعية والريادة الخضراء
ردًا على سؤال من الصحفي البريطاني كلاوس يورغنز، استعرض الرئيس علييف إنجازات أذربيجان خلال استضافتها مؤتمر المناخ COP29 في باكو، واصفًا الحدث بأنه “محطة تاريخية” في سجل العمل البيئي والدبلوماسي.
- شارك في القمة 77 ألف شخص من 197 دولة، من بينهم 70 رئيس دولة وحكومة.
- أبرز النتائج:
- رفع تمويل المناخ من 100 إلى 300 مليار دولار
- حل عقدة المادة السادسة المتعلقة بأسواق الكربون العالمية
- إطلاق أكثر من 12 مبادرة بيئية انضمت إليها الغالبية الساحقة من الدول
- تأسيس صندوق بقيمة 10 ملايين دولار لدعم الدول الجزرية الصغيرة المتأثرة بتغير المناخ
“نحن نؤمن بضرورة الانتقال الأخضر، لكن بواقعية. لا يمكن تجاهل دور الوقود الأحفوري في عمل الاقتصاد العالمي اليوم.”
وأكد أن أذربيجان تسعى للعب دور الوسيط بين الجنوب العالمي والشمال العالمي، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي ووزنها كمنتج للطاقة النظيفة.
ممر زنغازور: جسر استراتيجي نحو عالم تركي متصل
في مداخلته، طرح الإعلامي الأوزبكي الأستاذ شيرزادخون قدرتخوجا سؤالًا حول مستقبل ممر زنغازور، في ضوء الاجتماع الأخير بين علييف ورئيس وزراء أرمينيا في أبوظبي.
- اعتبر علييف الممر شريانًا حيويًا لا لأذربيجان فحسب، بل للمنطقة الأوراسية بأكملها، وخاصة الدول الناطقة بالتركية.
- المشروع يمثل خطوة نحو تعزيز الترابط الإقليمي وتحقيق نهضة تركية شاملة تربط آسيا الوسطى بأوروبا عبر أذربيجان وتركيا.
“هذا الممر ليس مجرد طريق، بل مشروع سلام واتصال بين الشعوب.”
إعادة إعمار قره باغ: نموذج للتسامح والتعددية الثقافية
أشاد قدرتخوجا بما شاهده من تطور عمراني وخدمي في خانكندي، مثنيًا على جهود أذربيجان في ترميم المساجد والكنائس على حد سواء، معتبراً ذلك نموذجًا فريدًا لـالتسامح الحضاري واحترام التعدد الثقافي.
علييف أكد بدوره أن إعادة الإعمار في قره باغ ليست مادية فقط، بل تعبّر عن قيمة معنوية ورسالة حضارية تعكس روح التعايش والاحترام.
هيـدار علييف.. الحاضر في وجدان قره باغ
في ختام حديثه، طرح قدرتخوجا سؤالًا شخصيًا: “لو كان الرئيس الراحل حيدر علييف حيًا وشاهد قره باغ اليوم، ماذا كان سيقول لابنه، ابن الشعب الأذربيجاني؟”
أجاب الرئيس علييف بتأثر:
“والدي لم يشهد النصر، لكنه زرع بذوره. قره باغ اليوم هي ثمرة رؤيته وتضحياته، وإرثه هو الذي ألهمنا حتى تحقق الحلم.”
دلالات استراتيجية وأبعاد أوسع
تحوّل منتدى شوشا من منصة إعلامية إلى أداة من أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية، ومن أبرز ما عكسته النسخة الثالثة:
- قيادة أذربيجان الإقليمية في قضايا المناخ، والإعلام، وإعادة البناء
- قدرتها على لعب دور الوسيط بين القوى المتباينة عالميًا
- تعزيز صورة أذربيجان كدولة منفتحة، متسامحة، ومتصالحة مع ماضيها
- تأكيد انتمائها الجغرافي والروحي إلى العالم التركي مع امتدادها إلى آسيا وأوروبا
وختاماً!
أظهر منتدى شوشا الإعلامي العالمي الثالث أن أذربيجان ليست مجرد دولة تعيد بناء قره باغ، بل دولة تصنع سرديتها الإقليمية والدولية بحكمة وانفتاح.
في كلماته، لم يكن الرئيس علييف يجيب فقط، بل كان يرسم ملامح مرحلة جديدة من الدور الأذري في المنطقة والعالم.




