سلايدرسياسة

طرق الحرير بين الروح والتجارة… أوزبكستان والأردن على درب التجديد

جولة ملكية عبر التاريخ... الملك عبد الله الثاني والرئيس ميرضيـويف في مدينة سمرقند الأبدية

Listen to this article

أشرف أبو عريف

في يومي 25 و26 أغسطس، وبدعوة من الرئيس شوكت ميرضيائيف، يقوم الملك عبد الله الثاني بن الحسين بزيارة دولة إلى أوزبكستان — زيارة تحمل في طياتها دلالات على تحوّل نوعي في مسار العلاقات بين البلدين.

لقد انطلقت العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية أوزبكستان والمملكة الأردنية الهاشمية في فبراير 1993، وبعد ثلاثة عقود من التعاون تطوّرت من مجرد اتصالات بروتوكولية إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل السياسة والاقتصاد والتعاون الثقافي والإنساني.

وفي عام 1994 افتتحت السفارة الأردنية في طشقند، فيما افتُتح في عمان عام 2007 القنصل الفخري لأوزبكستان برئاسة لؤي أبو غزالة، ليشكّل جسر صداقة متين. وعلى الرغم من أن اللقاءات الرفيعة المستوى ظلت لسنوات تتم على منصات متعددة الأطراف أو عبر الرسائل الرسمية، فإن التطورات الأخيرة تعكس توجهاً نحو انخراط أعمق وأكثر منهجية.

زخم نحو حقبة جديدة

في عام 2025، سلّم وزير خارجية أوزبكستان بختيار سعيدوف رسالة شخصية من الرئيس ميرضيائيف إلى الملك عبد الله الثاني خلال زيارة رسمية إلى عمان. وقد أسفرت هذه الخطوة عن اتفاقيات تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون المنظم، أبرزها:

  • إعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية من التأشيرات،
  • برنامج تعاون مشترك (2025–2027) بين وزارتي الخارجية.

وهذه التدابير تعكس الإرادة الواضحة في الارتقاء بالعلاقات من مجرد حوار متقطع إلى شراكة مؤسسية راسخة.

التعاون الاقتصادي: من تجارة متواضعة إلى شراكة استراتيجية

على الرغم من أن حجم التبادل التجاري لم يتجاوز 4.6 مليون دولار في 2024، إلا أن البلدين وضعا خططاً طموحة. فالأردن يصدر إلى أوزبكستان الأدوية والكيماويات والآلات والمعدات، فيما تصدّر أوزبكستان النحاس والفواكه المجففة والمكسرات والمنسوجات.

وخلال مباحثات 2025 بين وزيري الاستثمار والتجارة، تم الاتفاق على مسارات جديدة للتعاون، من أبرزها:

  • اتفاقية تجارة تفضيلية لتسهيل النفاذ إلى الأسواق،
  • التعدين والصناعات التحويلية (الفوسفات والنحاس وغيرها)،
  • الزراعة والصناعات الغذائية والمنسوجات،
  • مشروعات مشتركة في الدواء والصناعات الخفيفة والاقتصاد الرقمي.

كما أن إنشاء مجلس أعمال أوزبكي–أردني سيوفر منصة مؤسسية للتواصل بين رجال الأعمال، وتنظيم البعثات التجارية، وتمكين الأردن من أن يكون بوابة للسلع الأوزبكية نحو أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

المرتكزات الروحية والثقافية

إلى جانب التجارة والسياسة، تستند العلاقة إلى القيم الإسلامية المشتركة والتراث التاريخي والتقاليد الثقافية التي تعزز الثقة والتفاهم المتبادل. ومن المتوقع أن يضفي التعاون في التعليم، والتبادل الأكاديمي، والمهرجانات الثقافية، والدراسات الإسلامية، والآثار، والرعاية الصحية، عمقاً إضافياً لهذه الشراكة.

كما أن مشاركة الأردن في فعاليات كبرى في أوزبكستان، مثل مهرجان المقام الدولي في شهرسبز (2018)، ومهرجان الحرف اليدوية الدولي في قوقند (2019)، تؤكد الحيوية الثقافية في هذا المسار.

جولة ملكية عبر التاريخ: الملك عبد الله الثاني والرئيس ميرضيـويف في مدينة سمرقند الأبدية

تكتسب زيارة الملك عبد الله الثاني والرئيس ميرضيائيف إلى سمرقند بُعداً رمزياً خاصاً؛ فهي المدينة التي شكلت قلب طرق الحرير، وملتقى الحضارات الإسلامية والتراث الإنساني. وفي ساحاتها العريقة ومساجدها ومدارسها التي تزينها فنون العمارة الإسلامية، يلتقي الحاضر بالماضي ليجدد رسالة الانفتاح والحوار. إن جولة القائدين في هذه المدينة الأبدية تجسد أن التعاون بين عمان وطشقند ليس شأناً سياسياً أو اقتصادياً فحسب، بل هو امتداد لتاريخ حضاري مشترك يستعيد وهجه في القرن الحادي والعشرين.

الأهمية الإقليمية

إن سياسة أوزبكستان المتعددة المسارات وتوسعها المتنامي في الانخراط مع الشرق الأوسط — حيث ارتفع حجم تجارتها مع دول مجلس التعاون الخليجي خمسة أضعاف بين 2020 و2023 — يوفر أرضية خصبة لتعزيز الشراكة الأوزبكية–الأردنية. وفي منطقة تتحدد فيها ملامح الاستقرار من خلال الترابط الاقتصادي والدبلوماسية الثقافية، تمتلك هذه الشراكة القدرة على المساهمة في أمن وازدهار آسيا الوسطى والشرق الأوسط معاً.

خاتمة

إن زيارة الدولة التي سيقوم بها الملك عبد الله الثاني إلى طشقند ليست مجرد بروتوكول رسمي، بل هي دعوة إلى صياغة طريق حرير جديد للتعاون، يتشابك فيه الاقتصاد بالثقافة، ويقود فيه الإرث الروحي المشترك لشعبين عريقين بوصلة شراكة عصرية.

لقد بلغ البلدان اليوم عتبة جديدة، ومع توفر الإرادة السياسية، والآليات المؤسسية، والانسجام الثقافي، فإن بوسعهما أن يحوّلا عقوداً من التدرج الحذر إلى تحالف استراتيجي يفتح آفاقاً رحبة من الثقة والازدهار والتناغم الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى