رأىسلايدر

🌍 حين تصير الخوارزميات خناجر.. الاستعمار الرقمي ومعركة الجنوب العالمي

Listen to this article

د. أحمد مصطفى يكتب

 

تقرير مركز آسيا للدراسات والترجمة.. يشهد العالم اليوم تحوّلاً جيوسياسياً عميقاً مع صعود تحالفات جديدة كالبريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، في مسارٍ يعيد تشكيل النظام الدولي نحو التعددية القطبية. إلا أن هذا التحوّل لم يمرّ دون مقاومة؛ إذ برزت منصات التواصل الاجتماعي الغربية والشركات متعددة الجنسيات كأدوات ناعمة في حربٍ إعلامية معاصرة، تُخاض بغير رصاص ولكن بأشد تأثيراً.

فمن تحت شعارات براقة مثل “المسؤولية الاجتماعية” أو “تعزيز التواصل”، يتم التلاعب بالرأي العام داخل دول الجنوب العالمي، عبر تضخيم الانقسامات المجتمعية وتمويل حركات بعينها، إلى جانب انتهاج سياسات انتقائية في الرقابة على المحتوى، تحجب السرديات الداعمة للتكامل الإقليمي. هكذا تُزرع بذور الشك والانقسام، فتُقوَّض أركان الاستقرار الداخلي، ويُعطَّل مشروع التكامل السياسي والاقتصادي الذي تقوم عليه هذه التكتلات.

تشير دراسات رصينة – كأبحاث معهد أكسفورد للإنترنت – إلى توثيق عمليات تضليل ممنهجة استهدفت دولاً مثل ميانمار وإندونيسيا، أدت إلى تفاقم الانقسامات العرقية والدينية. أما الشركات متعددة الجنسيات، فقد سخّرت تحليلات البيانات المتقدمة لزرع معلومات مضللة، تُفصَّل بعناية لاستغلال مظالم محلية، خصوصاً في مواسم الانتخابات. ومع احتكارها للبنية التحتية الرقمية، تستطيع فرض ضغوط اقتصادية وسياسية تجبر دول الجنوب على إعادة صياغة أولوياتها.

حروب الشباب الرقمية.. من كازاخستان إلى إندونيسيا ونيبال
شكلت انتفاضة كازاخستان في يناير 2022 النموذج الأول: احتجاجات مطلبية على أسعار الوقود، تحوّلت بسرعة خاطفة إلى أعمال عنف شاملة بفعل حملات رقمية منسقة. وحين تدخلت قوات منظمة معاهدة الأمن الجماعي لاستعادة الاستقرار، صُوِّرت غربياً كقمع موجّه من الكرملين، لا كإجراء وقائي.

المشهد تكرر في إندونيسيا (أغسطس 2025)، حيث استُغلت مظالم مشروعة ضد الفجوة الاقتصادية والإصلاحات، لتتحول عبر المنصات الغربية إلى ثورة رقمية صاخبة. جرى تضخيم مشاريع مبادرة الحزام والطريق – مثل خط السكك الحديدية جاكرتا-باندونغ – بوصفها “فخاخ ديون”، وتحوّلت الصين إلى شماعة للأزمات، في محاولة لعزل جاكرتا عن شراكاتها الاستراتيجية.

أما نيبال، فقد عاشت نسخة مشابهة: استُهدفت مشاريع البنية التحتية الصينية بحملات تحريض تصفها بـ”دبلوماسية فخ الديون”، في سردية غربية مقصودة تهدف إلى ردع دول جنوب آسيا عن التعاون مع بكين.

وسائل التواصل كساحة معركة جديدة
تسيطر شركات التكنولوجيا العملاقة – Meta وGoogle وX – على مليارات المستخدمين، في “فضاء عام” يُدار من وادي السيليكون. خوارزمياتها تُصمم خصيصاً لتعظيم التفاعل، فتمنح الأولوية للجدل والانقسام على حساب الحقائق. هذا يخلق بيئة مثالية لإعادة إنتاج المظالم المحلية كسرديات سياسية معادية للأنظمة والتحالفات الصاعدة، لتتحول منصات التواصل إلى ميادين حرب هجينة، تُستغل فيها طاقات الشباب وحماسهم بلا وعي كامل لجدول الأجندات الخفية.

مواجهة الاستعمار الرقمي.. من الدفاع إلى البناء
لم تعد معركة الجنوب العالمي مع هذه القوى خياراً، بل ضرورة وجودية. فالاستعمار الرقمي لا يقتصر على التلاعب بالرأي العام، بل يشمل استخراج بيانات المستخدمين وتحويلها إلى ثروة بيد شركات أجنبية، مع إضعاف السرديات الوطنية. وقد قُدّر حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن حملات التضليل بما بين 0.5% إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة.

الحل يكمن في بناء سيادة رقمية عبر:

  • تطوير منصات تواصل محلية قابلة للتشغيل البيني.
  • توطين البيانات وتبني معايير تقنية مشتركة.
  • إنشاء شبكات إعلامية بديلة تنطق بصوت الجنوب العالمي.

يمكن للبريكس ومنظمة شنغهاي أن تضطلعا بدور مركزي، بما تمتلكانه من ثقل سكاني واقتصادي. وبالاستفادة من خبرة الصين في التكنولوجيا، وروسيا في البنى الرقمية السيادية، يمكن وضع اللبنات الأولى لبنية تحتية رقمية مستقلة، تكسر الاحتكار الغربي لتدفق المعلومات.

خاتمة
ليست المظالم المحلية في إندونيسيا ونيبال مجرد قضايا اجتماعية أو اقتصادية، بل حلقات في حرب هجينة عابرة للحدود. الشباب يُستخدمون – دون وعي – كوقود في معركة عالمية على النفوذ. إن كسر هذه الحلقة يتطلب تحالفاً واعياً لدول الجنوب، يعيد التوازن إلى النظام المعلوماتي العالمي، ويؤسس لفضاء رقمي متعدد الأقطاب، يحمي السيادة الوطنية ويعزز الاستقرار المجتمعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى