
بقلم: أ.د. هلال أبو الدهب
علم وظائف الأعضاء _ علوم _ جامعة القاهرة
في أعماق كل خلية من خلايا أجسادنا، حيث يتلاقى الغذاء بالأكسجين ليولد الطاقة، تنشأ أيضاً شرارة خفيّة تُعرف باسم الشوارد الحُرّة. تبدو للوهلة الأولى مجرّد ذرات عابرة، لكنها تحمل إلكترونات غير مستقرّة، تتعطّش لانتزاع ما ينقصها من جزيئات أخرى. وهكذا تبدأ رحلة صراع صامت، تفتك فيه تلك الشوارد بالبروتينات والدهون والحمض النووي، لتُطلق سلسلة من التفاعلات التي تُسرّع اهتراء خلايانا.
ومع أن وجودها بحد ذاته أمر طبيعي، إلا أن تراكمها يولّد ما يُسمّى الإجهاد التأكسدي؛ ذلك العدو الخفي الذي يتسلّل إلى المادة الوراثية (DNA)، فيشوّهها ويُمهّد الطريق أمام أمراض قاتلة كالسرطان وأخرى مستعصية مثل الزهايمر وباركنسون، فضلاً عن أمراض القلب، السكري، والتهابات المفاصل. حتى مظاهر الشيخوخة من تجاعيد وشيب وفقدان الشعر ليست سوى بصمة من بصماتها الخفيّة.
لكن الطبيعة لم تتركنا عُزلاً، فقد منح الله أجسادنا سلاحًا مدهشًا هو مضادات الأكسدة، وهي جزيئات كريمة تتبرع بإلكتروناتها، فتوقف سلسلة الدمار. ومع ذلك، تبقى قدرتنا الذاتية محدودة، ما يجعل الغذاء الغني بمضادات الأكسدة خط الدفاع الأول: من التوت والفراولة إلى السبانخ والشوكولاتة الداكنة والمكسرات.
ولأن درء الشر أهون من مكافحته، ينصح العلماء بممارسة الرياضة، والنوم الكافي، والابتعاد عن التدخين والكحول والمواد الكيميائية، إضافةً إلى تجنّب الإفراط في تناول الطعام أو الإكثار من السكر. فهي خطوات صغيرة، لكنها تضع حاجزًا بيننا وبين هذا العدو الخفي.
إنها حكاية الجذور الحرّة؛ طاقة جامحة في غير مكانها، بين من يستسلم لفوضاها ومن يواجهها بنظام حياة متوازن. وفي النهاية، يبقى السرّ في أن نحيا بوعيٍ ونقاوة، لنطيل عمر الخلايا قبل أن تخونها شرارة غير مرئية.



