رأىسلايدر

العدالة بين يدي الدستور… مصر أمام لحظة تشريعية فارقة!

Listen to this article

بقلم: المستشار حسام الدين علام

   يمثل مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد محطة مفصلية في مسار تطور النظام القانوني المصري. فقد وجَّه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 21 سبتمبر 2025، برد المشروع إلى مجلس النواب لإعادة النظر في بعض مواده، استنادًا إلى الاعتراضات التي وردت من جهات متعددة، وذلك بحسب البيان الرسمي الصادر عن رئاسة الجمهورية. وتأتي هذه الخطوة في إطار السعي إلى صياغة قانون عصري يحقق الاتساق الكامل مع الدستور، ويستجيب لتطلعات المجتمع المصري نحو عدالة ناجزة تحترم الحقوق والحريات.

   ولعل أهمية اللحظة الراهنة تنبع من كون القانون الحالي يعود إلى عام 1950، وهو ما يفرض ضرورة إعادة صياغة شاملة تراعي التحولات الدستورية والسياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر خلال العقود الماضية.

أولًا: قراءة في التاريخ التشريعي لقانون الإجراءات الجنائية

   صدر قانون الإجراءات الجنائية عام 1950 في سياق تشريعي اتسم بفلسفة “التشريف”، حيث كان التركيز على منح سلطات واسعة لجهات التحقيق باعتبارها الممثلة للسلطة العامة. غير أن الدستور المصري الحالي، بما تضمنه من نصوص صريحة لحماية الحقوق والحريات، قد رسخ فلسفة مغايرة تقوم على الحقوق والضمانات باعتبارها محورًا رئيسيًا لأي نظام قانوني. ومن ثمّ، فإن استمرار العمل بالقانون القديم، رغم تعديله مرارًا، لم يعد ملائمًا لمناخ الدستور الجديد.

ثانيًا: الضمانات الدستورية كمرجعية ملزمة

أقر الدستور المصري الحالي مجموعة من الضمانات التي يتعين أن يشكل مشروع القانون الجديد امتدادًا تشريعيًا لها. فقد نصت المادة (54) على أن:

“الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق”. كما نصت المادة (58) على حرمة المسكن، مؤكدة أن دخوله أو تفتيشه لا يكون إلا بأمر قضائي مسبب. وأكدت المادة (96) أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع.

وتُضاف إلى هذه النصوص مواد أخرى مثل (55) بشأن صون الكرامة الإنسانية، و(97) بشأن كفالة حق التقاضي. هذه النصوص تجعل من أي قانون للإجراءات الجنائية أداة ملزمة لترجمة الضمانات الدستورية إلى قواعد عملية نافذة.

ثالثًا: ملامح مشروع القانون الجديد

أبرز البيان الرسمي للرئاسة ما استحدثه المشروع من تنظيمات مهمة غير مسبوقة، مثل:

• وضع قواعد لإجراءات منع المتهمين من السفر وإدراجهم على قوائم ترقب الوصول.

• إقرار حق التعويض المادي عن الحبس الاحتياطي في حالات محددة، مع تقليص مدده.

• إدخال آليات التحقيق والمحاكمة عن بُعد باستخدام تكنولوجيا المعلومات.

• تنظيم إجراءات حماية الشهود.

• تعزيز التعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية.

هذه المستحدثات، إذا صيغت وضُبطت بدقة، يمكن أن تمثل نقلة نوعية تضع مصر في مصاف الدول التي توازن بين مقتضيات العدالة وحقوق الأفراد.

رابعًا: الملاحظات والانتقادات الرسمية

بحسب ما ورد في البيان الرسمي الصادر عن رئاسة الجمهورية، فإن الاعتراضات على بعض المواد انصبت على اعتبارات تتعلق بالحوكمة والوضوح والواقعية. وقد تمثلت أبرز النقاط في:

• الحاجة إلى تعزيز الضمانات المتعلقة بحرمة المسكن وحقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة.

• ضرورة التوسع في بدائل الحبس الاحتياطي للحد من الإفراط في اللجوء إليه.

• إزالة أي غموض في الصياغات القانونية بما يمنع تعدد التفسيرات أو صعوبة التطبيق العملي.

• إتاحة الوقت الكافي أمام الوزارات والجهات القضائية المعنية للتأهيل والتدريب على الآليات المستحدثة لضمان تطبيقها بدقة ويسر.

خامسًا: المقارنة مع التجارب الدولية

   تُظهر تجارب بعض الدول، مثل فرنسا وإيطاليا، أن تحديث قوانين الإجراءات الجنائية يرتبط بفلسفة تقوم على التوافق مع الدستور وضمانات حقوق الإنسان. ففي فرنسا، جرى تعديل القانون لتقليص مدد الحبس الاحتياطي وتوسيع ضمانات الدفاع. أما في إيطاليا، فقد ركزت التعديلات الأخيرة على إدماج بدائل للعقوبات السالبة للحرية وتبني المحاكمات الإلكترونية.

   وإذا كانت هذه التجارب تختلف في تفاصيلها عن الحالة المصرية، إلا أنها تؤكد أن تحديث التشريعات أصبح مسارًا عالميًا، وأن مصر ليست استثناء، بل تسير في خط متوازٍ مع هذه الاتجاهات.

سادسًا: البعد العملي والتطبيقي

   لا يقتصر الإصلاح التشريعي على النصوص، بل يتطلب بنية مؤسسية قادرة على استيعابها. ولهذا، فإن تأهيل القضاة وأعضاء النيابة العامة وضباط الشرطة أمر جوهري لضمان نجاح القانون الجديد. التدريب على المحاكمات عن بُعد، وآليات حماية الشهود، والتعاون القضائي الدولي يمثل عناصر أساسية للانتقال من النصوص إلى الواقع، وهو ما أكده البيان الرسمي للرئاسة بشأن ضرورة إتاحة الوقت المناسب أمام الجهات المعنية.

سابعًا: التوصية المحورية

   إن التوصية الأساسية تتمثل في أن تستثمر الدولة المصرية هذه اللحظة لإصدار قانون عصري متكامل، يجسد النصوص الدستورية في إجراءات عملية، ويوازن بين مقتضيات العدالة وحقوق الأفراد، ويضمن سرعة الفصل في القضايا دون إخلال بالضمانات. إن صدور هذا القانون في صياغة رصينة وواضحة سيجعل من مصر نموذجًا رائدًا يحتذى به في المنطقة والعالم.

الخاتمة: فرصة تاريخية ومسؤولية وطنية

   تمثل اللحظة الراهنة فرصة تاريخية للدولة المصرية لإعادة صياغة قانون الإجراءات الجنائية على نحو يتسق مع الدستور ويلبي متطلبات العدالة الناجزة والحديثة. فالتجديد لم يعد ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة حضارية، تضع مصر في مصاف الدول التي استطاعت أن توفق بين حماية الحقوق الدستورية وضمان فعالية النظام القضائي. إن استثمار هذه اللحظة سيؤكد أن مصر قادرة على صياغة نموذج قانوني يليق بتاريخها العريق وريادتها القانونية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى