تحليل | روحُ العالَمِ التُّركي… من قلبِ سمرقند إلى أُفُقِ المُستقبل

أشرف أبو عريف
تمثل مشاركةُ أوزبكستان النشطة في منظمة الدول التركية (OTS) أكثر من مجرد انخراطٍ جيوسياسي؛ إنها إحياءٌ لخيطٍ حضاريٍّ نسجته القرون من الموروث المشترك، والثقافة الواحدة، والطموح المتكامل.
إن وصولَ الرئيس شوكت ميرضيائيف إلى مدينة قبالا الأذربيجانية للمشاركة في قمة المنظمة، يُجسِّد فصلًا جديدًا في مسيرةٍ تجمع بين دفءِ الماضي ورؤيةِ المستقبل، بين جذورٍ مغروسة في التاريخ وأجنحةٍ تحلّق نحو التنمية المستدامة والتكامل الإقليمي.
تقوم المنظمة على مبادئ الاحترام المتبادل، والمساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية — وهي قيمٌ تمنحها خصوصيةً بين التكتلات الإقليمية في زمنٍ يتلاطم فيه المشهدُ الجيوسياسي.
لكنّ عضوية أوزبكستان لا تقتصر على الجانب الرمزي؛ فمنذ انضمامها في عام 2019، تحوّلت من عضوٍ مشارك إلى قوةٍ دافعةٍ ومبادِرة، جعلت من المنظمة منصةً حقيقيةً للتعاون العملي القائم على المصالح المشتركة والهوية الواحدة.
حين طرح الرئيس ميرضيائيف مبادرة تغيير اسم المنظمة عام 2021، لم يكن ذلك مجرد تعديلٍ شكلي، بل إعلانًا لهويةٍ متجددة ودعوةً لإحياء رؤية “العالم التركي 2040” وتجسيدها في سياساتٍ ومشروعاتٍ واقعية.
وجاءت قمة سمرقند 2022، تحت شعار “عصرٌ جديد من الحضارة التركية: نحو تنميةٍ وازدهارٍ مشترك”، علامةً فارقةً في هذا المسار. فقد أطلقت أوزبكستان خلالها أكثر من مئة مبادرة، وأسّست لخريطة طريقٍ عملية من خلال استراتيجية المنظمة 2022–2026، مؤكدةً موقعها كـ”قائدٍ منفتحٍ” للتنمية الإقليمية.
ويمثل نهج ميرضيائيف داخل المنظمة مزيجًا من الواقعية الاقتصادية والرومانسية الثقافية؛ إذ يجمع بين السعي إلى التكامل التجاري والمالي، والحفاظ على الروابط الروحية والحضارية التي تجمع شعوب العالم التركي.
وفي هذا السياق، يكتسب اقتراحه إبرام معاهدة الشراكة الاستراتيجية والصداقة الأبدية والأخوّة أهميةً استثنائية، إذ يسعى إلى ترسيخ الوحدة القانونية والسياسية وتأسيس إطارٍ دائمٍ للتعاون المتعدد الأطراف.
اقتصاديًّا، تشكّل دول المنظمة اليوم ثالثَ أكبر شريكٍ تجاري لأوزبكستان بعد الصين وروسيا، إذ بلغ حجمُ التجارة البينية نحو 10 مليارات دولار في عام 2024، أي ما يقارب 15% من إجمالي تجارة البلاد الخارجية.
وتحتل كازاخستان المرتبة الأولى بين الشركاء، تليها تركيا، بينما تواصل العلاقات التجارية مع أذربيجان نموًّا مطّردًا. أما قطاع النقل، فقد شهد قفزةً نوعيةً عبر الممر الأوسط الذي تضاعف نشاطه ستّ مرات منذ عام 2020، ليصبح شريانًا رئيسيًّا يربط آسيا بأوروبا.
ولا تغفل أوزبكستان البُعد الإنساني والثقافي، إذ تولي اهتمامًا خاصًّا لحفظ التراث المشترك وتعزيز التعاون العلمي والتعليمي بين جامعات الدول التركية، إلى جانب مشروعاتٍ في مجالات الطاقة والبيئة.
كما يؤكد الرئيس ميرضيائيف في خطاباته على ضرورة حل النزاعات وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وعلى أهمية الموقف الموحد للدول الأعضاء في مواجهة تحديات المناخ والأمن الإقليمي.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، تبرز أوزبكستان كـ قوة توازنٍ وبوصلة استقرارٍ في فضاء العالم التركي، تجمع بين الإيمان بالوحدة والانفتاح على العالم. 
إن حضورها في قمة قبالا ليس مجرد مشاركةٍ بروتوكولية، بل تجديدٌ لعهد الأخوة، وإطلاقٌ لنَسَماتٍ جديدةٍ من التعاون والإلهام.
ومن قلب آسيا الوسطى، تواصل أوزبكستان نسج خيوط “حرير الأخوّة” الممتدة من سمرقند إلى أنقرة، ومن باكو إلى بيشكك — خيوطٌ تشدُّ الأيدي، وتربط الحاضرَ بالمستقبل، وتُعيد للحضارة التركية وهجها الإنساني ومجدها المشترك.



