إقتصادسلايدر

إحياء آرال… نموذج أوزبكستان في بناء مركز عالمي للتقنيات الخضراء

Listen to this article

بقلم: ب. س. خبيبولايف

مدير مركز الابتكار الدولي لمنطقة بحر آرال
بوزارة البيئة وحماية البيئة وتغير المناخ

منصة الأمم المتحدة… وصوت أوزبكستان الأخضر

شكّلت مشاركة فخامة الرئيس شوكت ميرضيائيف في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام محطة مفصلية في الدبلوماسية البيئية لأوزبكستان، ورسالة واضحة للعالم بأن قضايا المناخ لم تعد شأنًا محليًا، بل مسؤوليةً إنسانيةً مشتركة.

فمن على هذا المنبر الأممي الأرفع، دعا الرئيس إلى رؤية متكاملة من أجل تنمية مستدامة، وأمن غذائي، وإدارة رشيدة للموارد المائية، مسلطًا الضوء على تحويل منطقة بحر آرال إلى نموذج حيّ لتجسيد مفهوم “المختبر العالمي للمناخ”.

لقد أكسب هذا الخطاب أوزبكستان مكانةً متقدمة في منظومة التعاون الدولي، وأعاد إلى الأذهان أن مأساة آرال لم تكن نهاية، بل بداية لرحلة جديدة من الإحياء والإبداع والتضامن.

من كارثة بيئية إلى فرصة إنسانية عالمية

كان بحر آرال في الماضي رابع أكبر بحيرة في العالم، قبل أن يتحوّل إلى واحد من أكبر الكوارث البيئية في التاريخ الحديث. فالجفاف شبه الكامل، الناتج عن الاستخدام المفرط وغير المستدام للمياه، دمّر التنوع البيولوجي وأثّر في المناخ والصحة العامة والاقتصاد المحلي.

لكن أوزبكستان اليوم تعيد صياغة القصة. فحيث جفّ البحر، تولد رؤية جديدة لبناء مختبر عالمي للابتكار البيئي والتقنيات الخضراء.
إنها رؤية تجمع بين العلم والإرادة السياسية، بين التنمية والتوازن مع الطبيعة.

من الفكرة إلى القرار… ومن القرار إلى العمل

في عام 2021، قدّم الرئيس ميرضيائيف مبادرةً إلى الأمم المتحدة لتصنيف منطقة بحر آرال كمركز دولي للابتكارات البيئية والتكنولوجية. وقد حظيت هذه المبادرة بدعمٍ أمميٍ بالإجماع، لتصبح خطوةً فارقة في العمل المناخي العالمي.

تحوّلت المبادرة لاحقًا إلى برنامج وطني ودولي واسع يشمل:

  • نشر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح؛
  • تطوير التقنيات الذكية لترشيد المياه والزراعة المستدامة؛
  • تشجيع السياحة البيئية وحماية التنوع الحيوي؛
  • وإرساء منظومة شراكة دولية علمية وتقنية لمواجهة التغير المناخي.

بنية علمية.. ومركز للابتكار الأخضر

يقع في قلب هذه الرؤية مركز الابتكار الدولي لمنطقة بحر آرال، الذي أصبح اليوم نواةً علميةً وتقنيةً لجهود الإحياء البيئي في أوزبكستان.

وبموجب المراسيم الرئاسية PQ-5202 (2021) و PQ-171 (2023)، تم إنشاء مجمّع علمي متكامل يضم:

  • حاضنة أعمال ومسرّعاً تكنولوجياً للشركات الناشئة الخضراء؛
  • مختبرات بيولوجية وجينية متقدمة لحفظ بذور النباتات المقاومة للملوحة والجفاف؛
  • مواقع بحثية ميدانية في مدينتي نوقوس ومويناق لدراسة النظم البيئية المتأثرة؛
  • أكثر من 70 اتفاقية شراكة دولية ومحلية لتبادل الخبرات والبحوث.

تُقدّر قيمة المشروعات الجارية بأكثر من 23.9 مليار سوم أوزبكي، وتشمل مجالات الطاقة البديلة، والاستزراع السمكي، والزراعة المكثفة، والنباتات الطبية، والبرامج الاجتماعية لتحسين معيشة السكان.

شراكات عالمية… ورسالة تعاون إنساني

ينسج المركز شبكة واسعة من التعاون مع مؤسسات عالمية مرموقة، منها:

  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)،
  • الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA)،
  • الوكالة الكورية (KOICA)،
  • المعهد الصيني للبيئة والجغرافيا،
  • الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)،
  • المعهد الدولي للزراعة في البيئات المالحة (ICBA) في الإمارات،
    إلى جانب المعهد العالمي للنمو الأخضر (GGGI) وعدد من الشركاء الدوليين الآخرين.

بهذا النهج، تتحوّل منطقة آرال إلى منصة عالمية لتبادل المعرفة، حيث يجتمع العلماء والمبتكرون وصناع القرار لتصميم مستقبلٍ أكثر استدامة للإنسان والكوكب.

الاستدامة… فلسفة تنموية ومشروع حضاري

إن إعادة إعمار منطقة آرال ليست مجرد مشروع بيئي، بل استراتيجية تنموية متكاملة تمزج بين حماية البيئة وخلق فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية.

فالتوسع في الطاقة الشمسية والرياح، وتحديث أنظمة الري، وتمكين المجتمعات المحلية من خلال الزراعة الذكية وريادة الأعمال الخضراء، جميعها تشكل نموذجًا واقعيًا لكيفية بناء اقتصاد أخضر متين، يوازن بين الازدهار الاقتصادي والأمن البيئي.

خاتمة: من مأساة إلى منارة

تحمل تجربة بحر آرال رسالة كونية:

أن من قلب الجفاف يمكن أن تنبت الحياة، ومن ركام المأساة يمكن أن تولد حضارة بيئية جديدة.

لقد أثبتت أوزبكستان أن الإرادة السياسية والابتكار العلمي قادران على تحويل الجراح البيئية إلى منارات للأمل والتجديد.

ومع استمرار الجهود الدولية لمعالجة آثار تغيّر المناخ، يبقى نموذج آرال شاهدًا على أن التحالف بين الإنسان والعلم والطبيعة هو السبيل الحقيقي لمستقبلٍ أكثر توازنًا وعدلاً على كوكب الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى