
بقلم : إياد حسن
كاتب مقيم في فيينا
كلّما توغّلنا في شخصية سليم القعيد في رواية “أحلام القعيد” للروائي سليم نافذ الرفاعي، انفتح أمامنا عالمٌ مركّب: حلمٌ يتجاوز الجسد، وواقعٌ يتقاطع مع الإرادة، وإنسانٌ يعيد اختراع ذاته عند حدود الزمن. إنها رواية لا تُقرأ عبورًا، بل إقـامةً في طبقاتٍ من الرمز والوجدان، بدءًا من عنوانها ذاته، الذي يجمع المفارقة ويعيد طرح السؤال: أهو قعود الجسد أم صعود الروح؟
القعيد لا المقعد: دلالة العنوان وعمق المفارقة
الفارق بين القعيد والمقعد ليس لغويًا فحسب؛ بل فكري وإنساني في جذره.
المقعد هو من أُقعد بعارض خارجي، أما القعيد فهو من يتخذ القعود موقفًا وتأملًا ووعيًا.
بهذا الاختيار، يحرّر الكاتب بطله من خطاب الشفقة، ويرفعه إلى مقام الفاعل لا المفعول به.
يتحوّل سليم من جسد “محدود” إلى كيان “ممتد”، سيد جسده لا سجينَه. بل إنّ التلاعب اللفظي الذي يجعل العنوان قابلاً لأن يصبح — ولو تخيّلًا — “العقيد سليم” يشي بأن البطولة هنا داخلية، وأن القيادة روحية لا عسكرية.
الحلم: منامٌ أم مشروع ذات؟
الرواية تُقرأ في مستويين متداخلين:
هل أحلام سليم مجرّد منامات، أم أنها طموحات تتشكّل في منطقة بين الوعي واللاوعي؟
لقد قرأتها — شخصيًا — كرواية حلم. حلم لا ينتمي للنوم بقدر ما ينتمي للوعي الوامض.
زمن الرواية ليس خطيًا، بل لولبي: صعود وهبوط، ماضٍ يعود، وحاضرٌ يتشظّى.
هذا التشظّي يمنح النص ديناميكية خاصة:
سكون الجسد مقابل اضطرام الخيال.
العجز الفيزيائي مقابل فائضٍ من الحياة الداخلية، يتدفق في صورٍ ورموز وحركة تتجاوز أي قيود.
الواقعية الرمزية: بين الحلم وفلسطين
ورغم الطبيعة الحلمية، تبقى الرواية مشدودة إلى أرض واضحة: فلسطين.
الجميزة التي يتسلقها سليم ليست شجرة عابرة، بل شجرة مقدّسة في أريحا، محمّلة بتاريخ ديني وذاكرة محلية.
أما المؤسسات المذكورة — كـ”أطباء بلا حدود” و”جمعية جميمة” — فهي واقعية تمامًا، مما يرسّخ صلة الحلم بالمكان.
بهذا، ينجح الكاتب في خلق توازن بين الرمز والواقع، بين الأسطورة والجغرافيا، بين صعود الجسد وصعود الأرض معه.
الإعاقة… اختبار للوظيفة لا للعجز
من خلال تخصصي الأكاديمي في مجال الإعاقة، لفتني في الرواية تقديمها لتعريف حديث للإعاقة كما يُدرّس في أوروبا:
الإعاقة ليست غياب الوظيفة، بل غياب الأدوات التي تمكّن من أدائها.
بهذا المفهوم، لا يُعدّ سليم معاقًا؛ فهو يؤدي دوره الإنساني كاملاً: يبتكر، يحلم، يعلّم، ويمنح الأمل للآخرين.
أما المجتمع الذي يهمّش المختلفين، فهو المقعد فعلًا.
وإذ تتحوّل الرواية إلى نقد ثقافي، فإنها تضع العجز في سياقه الحقيقي: البيئة، لا الجسد.
رمزية الجميزة: كل متر = مائة عام
من أجمل صور الرواية تلك الجملة الدالة: «كل متر هو مائة عام».
الصعود على الجميزة يتحوّل إلى صعود في الزمن:
كل ارتفاعٍ يفتح طبقة من الذاكرة.
الجمهور الذي يراقب من الأسفل ليس مجرد متفرجين، بل رمز لشعوب تراقب معركة الإنسان مع تاريخه.
الشجرة هنا عمود فقري آخر:
عمودٌ للذاكرة الفلسطينية، وعمودٌ للشفاء الروحي، يستعيد قصة زكّا والنداء المسيحي للتطهّر.
الصعود يتحوّل إلى تطهر، ومصالحة، وانعتاق.
ثنائية السكون والحركة
الرواية تقوم على مفارقة مدهشة:
- جسدٌ ساكن
- وروحٌ تنبض بالحركة والاختراع والتحدي
هذه الثنائية تمنح النص توتره الجميل؛ فالقعود يتحوّل إلى فضاءٍ للحركة، والعجز إلى طاقة خيال.
حتى حين يستدعي الكاتب مفاهيم الرياضيات والفيزياء في بناء سريرٍ متحرك أو مصعد، يبدو وكأنه يعيد صياغة قوانين الحركة نفسها ليمنح الجسد أجنحة إضافية.
المرأة: أمل الواقع وعواطف الذاكرة
تحضر المرأة في الرواية بصورتين:
- أمل: حضور واقعي يعيد السرد إلى الأرض وإلى المجتمع والطبابة.
- عواطف: الحلم والحب والذاكرة. اسمها ذاته يلخص دورها.
حين يقول سليم إنه سيُسمي الشجرة “عواطف”، فهو يمنحها جذعًا جديدًا لتعيش فيه.
قصتها في الإكوادور، وما واجهته من منفى وزواج قسري، تجاور رحلة سليم الجسدية: كلاهما صعود نحو الذات، كلٌّ بطريقته.
اللغة والأسلوب
لغة الرواية شعرية ورمزية، تتداخل فيها بلاغة الصورة مع حسّ الواقعية.
الجمل تأتي موجزة حينًا، وحمّالة تأملٍ حينًا آخر، بما يشبه تيار الوعي.
صور الشجرة، الجماهير، اللحاء، العطر، كلها تصنع نصًا متعدد الطبقات، يزاوج بين القداسة واليومي، وبين الفلسفة والتجربة الحسية.
خاتمة
هل أحلام القعيد سيرة ذاتية أم سيرة الإنسان في مواجهة مصيره؟
ربما هي الاثنين معًا. إنها رواية تتخطى حدود الجسد لتصل إلى حدود الروح، وتكشف أن القيد الحقيقي ليس الجسد، بل اليأس.
سليم القعيد هو بطلٌ يصنع بطولته اليومية بالانتصار على ضعفه، لا على الآخرين.
وحين نصعد معه الجميزة، ندرك أننا نصعد نحن أيضًا:
خطوة في الحلم، خطوة في الذاكرة، وخطوة نحو الحرية.
بهذا المعنى، تصبح الرواية نصًا عالميًا، يتجاوز الجغرافيا ليخاطب الإنسان أينما كان.



