
✍️ د. شرين المصرى
مدرس الإعلام وثقافة الأطفال – جامعة عين شمس
لم يعد وجود الأطفال في العالم الرقمي عبورًا عابرًا، ولا مجرد تفاعل عابر مع شاشة صغيرة، بل تحوّل إلى جزءٍ أصيل من يومهم، من فضولهم، ومن طريقة اكتشافهم للعالم. أطفال اليوم يدخلون مبكرًا إلى الفضاء الإلكتروني، يتصفحون ويتواصلون ويشاركون، فيمارسون أدوارًا لم تكن تخطر ببال قبل سنوات قليلة. ومع هذا الحضور الواسع، ينهض سؤالٌ يستحق التأمل: كيف نصون حقوق الطفل الاتصالية في عالمٍ رقمي يتسارع أكثر ممّا يكبرون؟
تنصّ اتفاقية حقوق الطفل على أن للطفل حقًا أصيلًا في التعبير، وفي الحصول على المعلومات وتبادلها بحرية. لكن هذا الحق اكتسب اليوم أبعادًا جديدة أكثر تعقيدًا؛ فتنوع المنصات وتدفّق المحتوى جعلا الطفل ليس متلقيًا فقط، بل صانعًا للمحتوى أحيانًا، وشريكًا في الحوار العام. وهنا تتضاعف الحاجة إلى بيئة رقمية تسمح له بالتعبير الآمن، وتزوّده بالمعلومات دون أن تعرّضه للتهديد أو الخداع.
حماية هذه الحقوق لا تعني أبدًا فتح الأبواب بلا ضوابط، بل تهيئة طريقٍ آمن نحو المعرفة؛ طريقٍ يضمن للطفل أن يفهم ما يتلقاه، وأن يعبر عن رأيه دون خوف من تنمّر أو إساءة، وأن تُصان بياناته من الاستخدام الجائر. فالمشهد الرقمي—على رحابته—محفوفٌ بتحدياتٍ حقيقية: محتوى غير ملائم، وتنمّر إلكتروني، ومحاولات استغلال، وغيرها من المخاطر التي تضع الأسرة والمدرسة والإعلام أمام مسؤوليات متجددة.
وتبدأ الدائرة من الأسرة التي تُعدّ اليوم شريكًا رئيسيًا في بناء الوعي الرقمي لدى الطفل، لا الرقيب الصارم فقط. فالمطلوب متابعة واعية لا تُصادر حرية الاكتشاف، بل تعزّزها من خلال تربية إعلامية تساعد الطفل على التمييز بين الصحيح والمضلل، وحوارٍ مستمر حول الاستخدام الآمن للإنترنت، وضبط إعدادات الخصوصية وتفعيل الرقابة الأبوية عند الحاجة.
أما المدارس، فدورها يتجاوز التعليم الأكاديمي إلى بناء مهارات المواطنة الرقمية، وتعليم الأطفال أساليب التواصل باحترام، وكيفية حماية خصوصيتهم، ليصبح الفضاء الرقمي امتدادًا تربويًا لا منطقة مجهولة.
وتتحمل وسائل الإعلام جزءًا لا يقل أهمية: تقديم محتوى يليق بوعي الأطفال واحتياجاتهم، بعيدًا عن العنف والإثارة، وبأسلوب يلائم عمرهم العقلي وقدرتهم على الفهم، مع ضمان وصول المعلومات لكل الأطفال دون تمييز.
في النهاية، يبقى تمكين حقوق الطفل الاتصالية أكثر من مجرد واجب حقوقي؛ إنه استثمار في وعي جيلٍ كامل. فالطفل الذي يعرف كيف يصل إلى المعلومة ويفهمها، ويستخدم الفضاء الرقمي بأمان، ويعبّر عن ذاته بثقة، هو طفلٌ أكثر قدرة على المشاركة، وأكثر استعدادًا لعالمٍ أصبحت فيه الكلمة نافذةً وقوة.
هي أصواتٌ صغيرة… نعم، لكنها حين تُحمى وتُسمع، تصنع غدًا أكبر وأجمل.



