رئيس التحريرسلايدر

تحليل| حين تتكلّم الدبلوماسية وتصمت العواصف… قراءة في بوصلة السياسة الإيرانية من القاهرة

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

في لحظة بدت كأنها نفَسٌ هادئ يعبر صخب الإقليم، خرج السفير الإيراني في القاهرة مجتبی فردوسي بور ليضع نقطة ضوء فوق خارطةٍ تتداخل فيها الظلال، مؤكداً أن وزارة الخارجية هي اللسان الرسمي لسياسة إيران، وأن مجلس الأمن القومي ليس هو من يصوغ المواقف المعلنة.
تصريحٌ صغيرٌ في حجمه، لكنه واسعٌ في دلالاته، يعيد ترتيب فهمنا لتوازنات القوة داخل الجمهورية الإسلامية، ويمنح القاهرة نافذة أوضح على آليات اتخاذ القرار في طهران.

يشير هذا التوضيح إلى أن إيران تريد أن تُقرأ رسائلها بدقة:
فحين تتقدم الخارجية إلى الواجهة، فهي ترسم وجهاً دبلوماسياً ناعماً لبلادٍ عُرفت بتشابك مراكز نفوذها. وكأن السفير مجتبی فردوسي بور يقول: لا تبحثوا عن السياسة في دهاليز الأمن… ابحثوا عنها في دفاتر الوزارة، في لغة الرسائل، وفي نبض العلاقات بين الدول.

من القاهرة، تبدو الرسالة أيضاً جزءاً من هندسة جديدة للانفتاح:
إيران التي تتلمّس خيوط التهدئة في الإقليم، وترتب خطابها مع الجيران، تحرص على أن تُعرَف ببوصلتها الدبلوماسية لا الأمنية، وبأن القرار الخارجي قرار دولة لا قرار جهاز؛ وهذا يعيد رسم الأدوار بين القوة الصلبة والناعمة في المشهد الإيراني.

ولأن لكل كلمة ظلها السياسي، فإن التصريح يحمل كذلك استجابة غير مباشرة لأسئلة طالما طرحها المراقبون:
من أين تصدر السياسة الخارجية الإيرانية؟
وكيف تُوزّع السلطات بين المؤسسات؟
هنا يأتي الجواب بلهجةٍ قاطعة، تكاد تشبه صفاء النيل في مساء 冬:
السياسة تُصنع في الخارجية، بينما يبقى مجلس الأمن القومي إطاراً للتنسيق لا منصة للخطاب السياسي.

أما على المستوى الرمزي، فإن الرسالة المرسلة من القاهرة على لسان مجتبی فردوسي بور تحمل إيحاءً آخر:
أن مصر ما زالت نافذةً شرقية يفصح عبرها الشرق عن نواياه، وأن طهران تختار العاصمة المصرية لتصحيح الانطباعات ورسم الحدود بين الفعل السياسي والقرار الأمني. وفي ذلك ما يشبه عودة الثقة إلى لغة العلاقات ولو على استحياء.

وفي المحصلة، فإن ما قاله السفير ليس مجرد توضيح، بل قصيدة مختزلة عن توازن السلطة في إيران، وعن رغبة الدولة في أن تُفهَم من خلال دبلوماسيتها قبل أسلحتها، وعن أن صوت السياسة — حين يُراد له أن يكون واضحاً — يخرج من المكاتب المضيئة لا من الغرف المغلقة.

كأن إيران تُهمس للعالم عبر سفيرها في القاهرة:
«حين نتحدث… فتّشوا عن المعنى في اللغة، لا في البنادق، فصوت الدبلوماسية هو الذي يرسم حدود الحاضر، ويفتح أبواب الغد.»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى