
أشرف أبو عريف
أكد الشيخ أحمد بن سعود السيابي، أمين عام مكتب الإفتاء بسلطنة عُمان، أن الفتوى ليست منتجًا آليًا يُستنسخ بضغطة زر، ولا معادلةً رقمية تُختزل في خوارزمية صمّاء، مشددًا على أن أحكام الدين لا يجوز أن تُرتهن للذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته واتسعت قدراته التحليلية.
وفي كلمته خلال أعمال الندوة العالمية الثانية للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، المنعقدة تحت عنوان: «الفتوى وقضايا الواقع الإنساني: نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة»، أوضح السيابي أن الفتوى في جوهرها فعلٌ إنسانيٌّ عميق، يقوم على فهم النص الشرعي، وإدراك الواقع، ومراعاة مقاصد الشريعة، والنظر في مآلات الأفعال؛ وهي عناصر لا تنفصل عن عقل بشري حيّ، يتفاعل مع السياق الاجتماعي والإنساني بتعقيداته وتحولاته.
وأشار إلى أن انعقاد هذه الندوة يأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تسارع المتغيرات العالمية، وتنامي التحديات الفكرية والتقنية التي تمس بنية المجتمعات، وتفرض على المؤسسات الدينية مسؤولياتٍ مضاعفة، تستلزم تجديد أدوات الاجتهاد دون التفريط في ثوابت الدين ومقاصده الكبرى.
وبيّن السيابي أن من أخطر تحديات العصر الراهن تزايد التداخل بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي، لافتًا إلى أن التطور التكنولوجي، رغم ما يحمله من فرصٍ هائلة لخدمة الإنسان، يثير في الوقت ذاته أسئلةً عميقة حول حدود الاعتماد عليه في المجالات المرتبطة بالقيم، والأحكام الشرعية، والضمير الإنساني.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون عونًا في البحث والتوثيق وجمع المعلومات وترتيبها، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المفتي المؤهّل علميًا وأخلاقيًا، ذلك الذي يجمع بين رسوخ العلم الشرعي، والخبرة بالواقع، والوعي بتعقيداته وتحولاته.
وأضاف أن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل الفتوى إلى إجابة جاهزة، منزوعة من سياقها الإنساني، أو في تسليم المرجعية الدينية لتقنياتٍ تفتقر إلى الحسّ الأخلاقي والمسؤولية الشرعية.
وأكد أن هذه الندوة تسعى إلى ترسيخ مفهوم الاجتهاد الرشيد، القائم على التوازن بين الثابت والمتغير، وبين النص والواقع، وبين الإفادة من معطيات العصر والحفاظ على هوية الفتوى ودورها في صون مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم.
ولفت إلى أن قضايا الواقع الإنساني اليوم ازدادت تعقيدًا، سواء في شؤون الأسرة، أو الاقتصاد، أو الطب، أو النزاعات، أو التحولات الاجتماعية، بما يستدعي فقهًا عميقًا بالواقع، وقدرةً واعية على تنزيل الأحكام الشرعية بما يحقق مقاصد العدل والرحمة، ويحفظ الكرامة الإنسانية.
ودعا السيابي إلى تعزيز التعاون بين دور وهيئات الإفتاء في العالم، وتبادل الخبرات والتجارب، وتطوير آليات العمل المؤسسي في مجال الفتوى، بما يضمن مواجهة التحديات المعاصرة بخطابٍ علميٍّ رصين، بعيدًا عن التسييس أو التوظيف الخاطئ للدين. كما شدد على أهمية تأهيل المفتين تأهيلًا شاملًا، يجمع بين المعرفة الشرعية والوعي بالتقنيات الحديثة، دون الوقوع في فخ التبعية لها أو الانبهار غير المنضبط بإمكاناتها.
وختم مؤكدًا أن رسالة الفتوى ستظل، قبل كل شيء، رسالةً إنسانيةً وأخلاقية، غايتها توجيه الإنسان ومساندته في اتخاذ القرار الرشيد، في ضوء هدي الشريعة وروحها، وأن الحفاظ على هذه الرسالة مسؤولية جماعية، تتطلب وعيًا وحكمة، واجتهادًا متجددًا يواكب العصر دون أن يفقد بوصلته.
وفي سياقٍ متصل، تطرّق السيابي إلى القضية الفلسطينية، مؤكدًا أنها راسخة في وجدان كل عُماني، ومحور اهتمام السلطان والحكومة والشعب، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان، دبلوماسيًا وإنسانيًا، لم تدّخر جهدًا في المحافل الدولية للمطالبة بمحاسبة إسرائيل على الجرائم المرتكبة بحق أهل غزة، وأن العُمانيين قدّموا جهدهم ومالهم وفكرهم وكلمتهم دعمًا للفلسطينيين، إيمانًا بعدالة قضيتهم وحقهم في الكرامة والحياة.



