رأىسلايدر

خواطر دبلوماسى| غزة بين الخطِّ الأصفر وسيوف السياسة… جغرافيا ممزقة ومصير معلَّق

Listen to this article

يعيش قطاع غزة اليوم حالة انقسام جغرافي قسري، يشطره ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وفق الترتيبات المتضمنة في المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبموجب هذه الترتيبات، تسيطر قوات الاحتلال الإسرائيلي على أكثر من نصف مساحة القطاع، ولا سيما المناطق الشرقية، مضافًا إليها محافظة رفح جنوبًا ومحافظة الشمال.
في المقابل، انسحب جيش الاحتلال من المناطق الغربية في محافظات غزة والوسط وخان يونس، بما يمثل نحو 40–45% من مساحة القطاع.

ويبدو أن هذا التقسيم مرشح للاستمرار إلى أن تتوافر ظروف الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة ذاتها. فهذه المرحلة، نظريًا، تفترض انسحابًا إسرائيليًا من المناطق التي تسيطر عليها حاليًا، باستثناء شريط يُراد له أن يكون منطقة عازلة. غير أن هذا الانسحاب شبه الكامل مشروط بنزع سلاح حركة «حماس» وتجريد قطاع غزة عمومًا من السلاح، وفق ما يُفهم من بنود الخطة.
ولأن مسألة نزع السلاح شديدة التعقيد، فإن واقع التقسيم القائم في قطاع غزة يبدو مرشحًا للاستدامة، إلى أن يُعثر على مخرج سياسي وأمني لهذه العقدة المستعصية.

وفي سياق موازٍ، تسعى قوات الاحتلال إلى إحداث تغيير جوهري في خريطة النفوذ السياسي داخل المناطق التي تسيطر عليها حاليًا في «غزة الشرقية»، قبل أي انسحاب محتمل. ويتمثل جوهر هذه السياسة في خلق أو دعم ميليشيات مسلحة موالية للاحتلال، ومعادية لحركة «حماس» وفصائل المقاومة بوجه عام.
وقد برزت بالفعل عدة ميليشيات من هذا النوع، مثل ميليشيا أبوشباب، والقسطل، وأبو نصيرة، والمنسي، وميليشيا «حلس» وغيرها. وتعتمد بعض هذه التشكيلات على أفراد من عائلات ينتمي إليها قادتها، أو على فروع عائلية محددة، بما يضفي عليها طابعًا محليًا هشًا.

غير أن المؤشرات الراهنة لا توحي بقدرة هذه الميليشيات على فرض سيطرة حقيقية ومستقرة على «غزة الشرقية»، إذ تمثل تبعيتها الكاملة للاحتلال الإسرائيلي نقطة ضعف جوهرية في بنيتها وشرعيتها. بل إن ثمة دلائل على خلافات داخلية بينها، أو داخل بعض تشكيلاتها، حول هذه التبعية، وهو ما تجلى بوضوح في مقتل زعيم ميليشيا أبوشباب على أيدي بعض معاونيه.
ورغم ذلك، سيبقى مصير «غزة الشرقية» معلقًا وغامضًا، إلى أن يبدأ فعليًا الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، إن كُتب لها أن ترى النور.

في موازاة ذلك، تبدو حركة «حماس» منخرطة في سياسة عنوانها المركزي الحفاظ على حكم غزة. وقد اتضح هذا الهدف علنًا منذ عام 2007، حين خاضت الحركة صراعًا مسلحًا داخليًا دامويًا مع حركة «فتح»، وأحكمت سيطرتها على القطاع كأمر واقع، فشكّلت بنية حكم كاملة، بمكتب سياسي ووزارة ورئيس وزراء، كان آنذاك المرحوم إسماعيل هنية، فيما بدا خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي، بمثابة «رئيس دولة» بحكم النفوذ والقرار.

ورغم التحولات الكارثية التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما نتج عنها من تدمير شامل لغزة وتعذيب جماعي لسكانها، ورغم فقدان «حماس» لمعظم قدراتها العسكرية وأوراق الضغط السياسية، فإنها ما زالت متمسكة بموقعها في المشهد.
ويبدو، في تقديري، أن إسرائيل والإدارة الأمريكية لا تمانعان بقاء «حماس» في الصورة، بل ربما تجدانه مبررًا عمليًا لمواصلة فرض الوقائع على الأرض، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب تحت ذريعة «أمن إسرائيل»، وتحويل الإصرار على حكم غزة إلى حجة سياسية وأمنية دائمة.

إن جوهر الأزمة، كما أراه، يكمن في الحاجة إلى اختفاء «حماس» بالكامل من المشهد السياسي والعسكري، وظهور قيادة فلسطينية جديدة تمتلك فهمًا عميقًا لـ«لعبة الأمم»، وتحسن إدارة التوازنات الدولية، وتسعى إلى تحقيق أقصى الممكن لا أقصى الشعارات، لصالح القضية الفلسطينية وشعب غزة والضفة الغربية.
قيادة تستند إلى رؤية جماعية، وموقف عربي عملي داعم، من الدول التي لا تزال تمتلك أوراق قوة حقيقية، بما قد يتيح إنقاذ ما يمكن إنقاذه في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية التي أعلنت إسرائيل عمليًا فرض سيطرتها عليها، مع الاستمرار المحموم في بناء المستوطنات.

لقد تُركت وحدك في أقسى حالات اللاإنسانية والعذاب، فيما ينشغل العالم بلعبة السياسة، وتلهو العواصم بـ«لعبة الأمم»، ولا يصل إليك سوى بيانات رنانة، خاوية من الفعل، ثقيلة في وقعها، وخفيفة في أثرها.

لك الله يا شعب غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى