مُحَمَّدٌ عَاكِف… حِينَ عَبَرَتِ الرُّوحُ الْبُوسْفُورَ إِلَى النِّيلِ وَظَلَّ النَّشِيدُ يُقَاوِمُ الْمَوْتَ

شعر: أشرف أبو عريف
فِي الذِّكْرَى التَّاسِعَةِ وَالثَّمَانِينَ لِغِيَابِهِ… 89 عَامًا وَالنَّشِيدُ لَا يَنْطَفِئُ
فِي الْقَاهِرَةِ…
فِي قَلْبٍ طَالَمَا حَمَلَ أَنْفَاسَ الشَّرْقِ،
أُضِيءَ حَفْلٌ لَا تُشْعِلُهُ الشُّمُوعُ،
بَلْ تُشْعِلُهُ ذَاكِرَةُ أُمَّةٍ
كَتَبَتِ اسْتِقْلَالَهَا بِالدَّمِ…
ثُمَّ وَقَّعَهُ شَاعِرٌ
عَلَى صَفْحَةِ السَّمَاءِ.
مُحَمَّدُ عَاكِف…
أَيُّ قَلْبٍ ذَابَ بَيْنَ ضِفَّتَيْ وَطَنٍ،
وَاسْتَرَاحَ فِي حِلْوَانَ،
لِيَتْرُكَ لِلنِّيلِ قَصِيدَةً،
وَلِلْبُوسْفُورِ دَمْعًا،
وَلِلْأُمَّةِ التُّرْكِيَّةِ
أَنَاشِيدَ تَنْهَضُ
إِذَا خَذَلَهَا الزَّمَانُ.
وَهُنَا…
فِي سَفَارَةِ تُرْكِيَا بِالْقَاهِرَةِ،
وَفِي الذِّكْرَى التَّاسِعَةِ وَالثَّمَانِينَ لِغِيَابِكَ—
نَهَضَ صَوْتُ السَّفِيرِ صَالِحِ مُوطْلُو شَنٍّ
كَمَنْ يُوقِظُ نَجْمَةً مِنْ سُبَاتِهَا،
يَسْتَحْضِرُ رِحْلَةَ شَاعِرٍ
لَمْ يَمُتْ…
بَلْ هَاجَرَ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى نَشِيدِهِ.
قَالَ السَّفِيرُ:
لَمْ يَكُنِ الْكِفَاحُ سِلَاحًا فَحَسْبُ،
بَلْ كَانَ إِيمَانًا يُقَاتِلُ،
وَرُوحًا تَعُودُ مِنْ مَحَارِيبِ الْأَنْضُولِ
لِتَشُدَّ أَعْمِدَةَ التَّارِيخِ،
وَتُضِيءَ لِلتُّرْكِيِّ
دَرْبَ الْعَوْدَةِ.
فِي مَقْهَى الْفِيشَاوِي،
تَرَكَ الشَّاعِرُ ظِلَّهُ
يَسْكُنُ فِي حِجَارَةِ الذِّكْرَيَاتِ،
وَفِي قَصِيدَةِ «جَنَاقْ قَلْعَةَ»
تَرَكَ صَوْتَ أُمَّةٍ بِأَكْمَلِهَا
تَصْعَدُ إِلَى اللهِ
مَحْمُولَةً
عَلَى أَجْنِحَةِ الشُّهَدَاءِ.
يَا عَاكِف…
لَمْ تَكُنْ ضَيْفًا فِي مِصْرَ،
كُنْتَ ابْنًا يَضَعُ رَأْسَهُ
عَلَى كَتِفِ أُمٍّ
وَيَقُولُ لَهَا:
«تَعَبِي طَوِيلٌ… دَعِينِي أَسْتَرِيحْ».
فَاحْتَضَنَتْكَ الْبِلَادُ—
كَمَا تَحْتَضِنُ الْأُمُّ
آخِرَ أَنْفَاسِ ابْنِهَا الْبَارِّ.
تِسْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً يَا عَاكِف،
وَلَمْ يَغِبْ شَيْءٌ مِنْكَ:
لَا الْقَصَائِدُ،
وَلَا النَّشِيدُ،
وَلَا تِلْكَ الدَّمْعَةُ
الَّتِي بَقِيَتْ عَالِقَةً
عَلَى عَلَمٍ أَحْمَرَ،
كَانَتِ الرِّيحُ تُجَفِّفُهَا
وَتَسْرِقُهَا الْمَعْرَكَةُ.
سَلَامٌ عَلَيْكَ،
يَا مَنْ عَلَّمْتَ الْأَجْيَالَ
أَنَّ الْوَطَنَ لَا يُكْتَبُ بِالْحِبْرِ،
بَلْ بِالْعَزْمِ،
وَالدُّعَاءِ،
وَالْقَمْحِ،
وَنَشِيدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَلْسِنَةِ
كَأَنَّهُ صَلَاةٌ لِلْجَمَاهِيرِ.
سَلَامٌ عَلَى رُوحِكَ
حِينَ عَبَرْتَ مِنْ إِسْطَنْبُولَ إِلَى الْقَاهِرَةِ
كَغَيْمَةٍ
تَبْحَثُ عَنْ سَمَاءٍ أَكْبَرَ
كَيْ تُمْطِرَ—
فَتُزْهِرَ أُمَّةً كَامِلَةً.




