رئيس التحريرسلايدر

الاقتصاد كساحة حرب… كيف تُدار المواجهة المركّبة ضد إيران؟

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

لم يعد خافيًا أن ما يجري في إيران يتجاوز حدود القلق على حقوق الإنسان أو الاستقرار الإقليمي، ليكشف عن نوايا مبيّتة تقودها دوائر الهيمنة العالمية، في مقدّمتها سياسات دونالد ترمب و**بنيامين نتنياهو**، ومن يدور في فلكهما من متآمرين. فالتجربة ليست جديدة؛ إذ سبق أن رُسم السيناريو ذاته في دول غنية بالثروات كفنزويلا، حيث جرى توظيف العقوبات والضغط الاقتصادي والإعلامي لإخضاع الدولة، وتجويع المجتمع، ثم تقديم «الإنقاذ» بوصفه مدخلًا لنهب الموارد والسيطرة على القرار الوطني.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الحرب الاقتصادية على إيران سوى حلقة في مشروع أوسع، هدفه كسر إرادة الدول المستقلة، وإعادة رسم خرائط النفوذ بالقوة الناعمة حين تعجز القوة الصلبة، تحت شعارات زائفة تخفي أطماع السيطرة وسرقة الثروات.

تشير التطورات الأخيرة في إيران إلى أن البلاد لا تواجه أزمة اقتصادية أو احتجاجات مطلبية معزولة، بل نموذجًا متقدمًا من الحرب المركّبة، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع الحرب النفسية والإعلامية، ومحاولات الاختراق الأمني، في إطار استراتيجية تهدف إلى إضعاف الدولة من الداخل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

الاقتصاد… جبهة الصدام الأولى

منذ عقود، شكّل الاقتصاد الإيراني إحدى أكثر الجبهات استهدافًا في الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل. فالعقوبات لم تكن يومًا إجراءات تقنية بحتة، بل أدوات سياسية تستهدف نقل الضغط من مؤسسات الدولة إلى المجتمع، وتحويل المعاناة المعيشية إلى عامل تفكيك داخلي.

وفي هذا السياق، جاءت الاحتجاجات المطلبية الأخيرة نتيجة ضغوط حقيقية، أبرزها تقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف المعيشة، واضطراب النشاط التجاري. وقد أقرت السلطات رسميًا بمشروعية هذه المطالب، مؤكدة أن معالجتها شأن داخلي يتطلب إصلاحات اقتصادية واقعية لا إملاءات خارجية.

ومن أبرز الإجراءات التي أُقرت، إعادة توجيه الدعم النقدي من التجّار إلى تحويلات مباشرة للمواطنين. ورغم أن الهدف المعلن كان حماية المستهلك النهائي وتقليل التشوّهات، إلا أن القرار أدّى على المدى القصير إلى ارتفاع أسعار بعض السلع، ما أسهم في زيادة القلق الاجتماعي واستُخدم لاحقًا كوقود للتحريض.

من الاحتجاج إلى الفوضى: لحظة التحوّل

القراءة المتأنية للمشهد تُظهر انتقالًا مدروسًا من الاحتجاج السلمي إلى محاولة تسييس الغضب الاجتماعي وتحويله إلى اضطراب أمني. فقد تزامنت التحركات مع دعوات منظّمة صدرت عبر منصات خارجية ممولة، خاصة قبيل عطلة نهاية الأسبوع، بهدف خلق حالة فوضى محسوبة.

هذا النمط ليس جديدًا؛ إذ جرى تطبيقه في تجارب دولية سابقة، تقوم على جرّ الشارع إلى العنف لإنتاج صورة «الدولة العاجزة». إلا أن الاستجابة الإيرانية اعتمدت ضبط النفس المرحلي، لتمييز المحتجّين السلميين عن العناصر التخريبية، وكشف الطابع الخارجي للمشروع أمام الرأي العام.

شبكات خارجية وأدوار بالوكالة

تشير معطيات ميدانية إلى تورط شبكات مرتبطة بالخارج في أعمال عنف وتخريب، شملت استهداف مواطنين عُزّل، وحرق مساجد وممتلكات عامة، في محاولة لكسر السلم الأهلي. وقد أسهمت الجاهزية الأمنية، مدعومة بتعبئة شعبية، في تفكيك أجزاء من هذه الشبكات واعتقال عناصر وُصفت بالمحورية.

سقوط رهان العنف

أحد أهم أسباب إخفاق مسار الفوضى كان غياب الحاضنة الشعبية للعنف. فالغالبية العظمى من المواطنين فصلت بوضوح بين المطالب المعيشية المشروعة وبين التخريب، وعبّرت عن رفضها القاطع لاستهداف الممتلكات العامة والخاصة، مطالبة الدولة بالحزم في مواجهة الخارجين عن إطار الاحتجاج السلمي.

المعركة على السردية

بالتوازي مع الشارع، دارت معركة إعلامية شرسة لفرض سردية «العزلة الرقمية» والانقطاع الشامل للاتصال. غير أن استمرار المنصات المحلية في أداء دورها حدّ من فعالية هذه الحرب النفسية، وأبقى الرواية الداخلية حيّة في مواجهة التهويل الخارجي.

خلاصة

ما تشهده إيران اليوم هو حلقة ضمن صراع استراتيجي طويل الأمد تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية والإعلامية والأمنية بالتوازي. فبعد تعثر الخيارات العسكرية، بات الرهان الخارجي يقوم على إنهاك الداخل لا كسره بضربة واحدة.

غير أن التجربة تؤكد أن العنف لا يصنع بدائل، وأن تخريب الداخل لا يخدم سوى من يسعى إلى استنزاف الدولة وتقويض استقرارها. أما المعالجة المستدامة، فتمر عبر إصلاحات وطنية، وحلول اقتصادية، وتكاتف اجتماعي، لا عبر الفوضى وصناعة الضحايا.

وكما يقول المثل العربي البليغ:
«قتل القتيل… ومشى في جنازته».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى