
كانوا ـ ولا يزالون ـ يرددون شعارات فضفاضة بلا خطة واقعية، وكلامًا مرسلًا يفتقر إلى أي تصور عملي قابل للتنفيذ، يتصدره الشعار الأشهر:
«دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس»، دون أن يصاحبه برنامج سياسي واضح أو آلية تفاوض قابلة للحياة.
في خضم هذا الفراغ، برز أنور السادات بوصفه الزعيم العربي الوحيد الذي قدّم تصورًا عمليًا للحل، حين طرح في اتفاق مبادئ كامب ديفيد عام 1978 مبدأ الحكم الذاتي الانتقالي لمدة خمس سنوات، باعتباره حلًا مرحليًا واقعيًا يُفتح خلاله باب التفاوض الجاد للوصول إلى تسوية سياسية عادلة للقضية الفلسطينية.
غير أن الرفض العربي الشامل قوبل به هذا الطرح، لا لعيبٍ في مضمونه، بل لأنه كسر تابو الشعارات، فاختار قادة فلسطين ومعهم معظم الأنظمة العربية آنذاك اتهام السادات بالخيانة بدل مناقشة جوهر المبادرة، دون أن يقدّموا بديلًا سياسيًا عمليًا ممكنًا، مكتفين بـ المقاطعة السياسية والاقتصادية لمصر.
واستمر ترديد الخطاب ذاته في كل المحافل، واستمرت سياسة الرفض بلا رؤية، حتى تآكلت القضية الفلسطينية وبلغت حالتها الراهنة، في مشهد يؤكد أن الشعارات وحدها لا تصنع وطنًا ولا تحرر أرضًا.
ويا ليتهم تعقّلوا وتدبّروا وقبلوا منطق الممكن، وتعاملوا مع الحكم الذاتي كقاعدة للبناء التدريجي، لا كنقطة نهاية، فـ السياسة فن اقتناص الفرص لا تضييعها.
لقد أدرك السادات هذه الحقيقة مبكرًا، فكان العبور في أكتوبر 1973 هو التحول الاستراتيجي الفاصل، الذي أثبت أن النصر العسكري لا يكتمل إلا بمسار سياسي شجاع، وهو ما تُوّج لاحقًا بـ الاتفاق الثنائي مع إسرائيل عام 1979، الذي أعاد الأرض المصرية كاملة غير منقوصة.
وكانت طابا شاهدًا أخيرًا على قوة القانون الدولي حين يُحسن استخدامه، عبر التحكيم بمحكمة العدل الدولية، في تأكيد أن الدبلوماسية الصلبة لا تقل شأنًا عن القوة العسكرية.
ولو أن السادات انساق وراء الرفض العربي لمسار السلام منذ زيارته التاريخية لإسرائيل عام 1977، مرورًا بكامب ديفيد 1978، وصولًا إلى اتفاق 1979، لكانت أرض مصر ما زالت محتلة حتى اليوم، ولانزلقت البلاد إلى دوامة الفوضى الإقليمية التي طالت غيرها.
لكن السادات اختار مصلحة الوطن فوق ضجيج الشعارات، فحفظ الدولة المصرية، وصان الجيش الوطني، ومنح الشعب المصري الاستقرار.
رحم الله السادات…
وتحيا مصر، بجيشها الوطني العظيم، وشعبها المتحضّر.



