حِينَ تُنَادِينِي إِسْطَنْبُولُ!

شعر: أشرف أبو عريف
حِينَ أَحْلُمُ بِهَا،
تُنَادِينِي…
لَا بِصَوْتٍ،
بَلْ بِنِدَاءٍ خَفِيٍّ
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الأَزِقَّةِ،
وَمِنِ ارْتِعَاشِ الضَّوْءِ عَلَى الْمَاءِ.
فَأَرْتَوِي بِبُسْفُورِهَا،
كَأَنَّ الْعَطَشَ كَانَ اسْمِي،
وَالدَّهْشَةُ
وَطَنًا
مُؤَجَّلًا.
تَنَامُ عَيْنِي
عَلَى جَبِينِهَا الْحَجَرِيِّ،
فَتَصِيرُ الْقِبَابُ وَسَائِدَ،
وَتَغْدُو الْمَآذِنُ
أَنْفَاسًا عَالِيَةً
لِلسَّمَاءِ.
مَحَاسِنُ إِسْطَنْبُولَ — كُلُّهَا —
لَيْسَتْ زِينَةً تُرَى،
بَلْ نِظَامُ قَلْبٍ
يَعْرِفُ كَيْفَ يُحِبُّ،
وَنَظَافَةُ رُوحٍ
تَغْسِلُ الْمَعْنَى
قَبْلَ الْمَكَانِ.
فِيهَا يَتَبَادَلُ
الْجَمَالُ
وَالذَّوْقُ الرَّفِيعُ
تَعْرِيفَيْهِمَا،
كَأَنَّهُمَا عَاشِقَانِ
يَخْتَرِعَانِ اللُّغَةَ
كُلَّ صَبَاحٍ.
تُذَكِّرُنِي
بِأُمِّ الدُّنْيَا،
لَا لِأَنَّهُمَا تَتَشَابَهَانِ،
بَلْ لِأَنَّ كِلْتَيْهِمَا
تَعْرِفُ كَيْفَ تَكُونُ
مَدِينَةً
وَمَعْشُوقَةً.
هِيَ:
جِنٌّ إِذَا ابْتَسَمَتْ،
وَمَلَكٌ إِذَا سَكَتَتْ،
وَإِنْسَانٌ
حِينَ تُخْطِئُ…
فَتُصْبِحُ
أَقْرَبَ.
وَحِينَ تُنَادِينِي،
أَفْهَمُ أَخِيرًا
أَنَّ الْمُدُنَ،
مِثْلَ النِّسَاءِ،
لَا تُحَبُّ بِالْعَقْلِ،
بَلْ
بِالِانْتِمَاءِ.
وَفِي آخِرِ الطَّرِيقِ،
أَفْهَمُ أَنَّ الْقَاهِرَةَ
لَمْ تَكُنْ بَعِيدَةً يَوْمًا،
كَانَتْ تَسِيرُ مَعِي
وَأَنَا
أَعْبُرُ
إِسْطَنْبُولَ.
نَفْسُ الْخُطَى،
ثَقِيلَةٌ
بِالْمَعْنَى،
نَفْسُ الضِّحْكَةِ
الَّتِي تَعْرِفُ الْحُزْنَ
وَلَا
تُسَلِّمُهُ،
وَنَفْسُ الْقَلْبِ
الَّذِي يَفْتَحُ نَوَافِذَهُ لِلْغَرِيبِ
كَأَنَّهُ
ابْنُ
الْبَيْتِ.
الْقَاهِرَةُ
وَإِسْطَنْبُولُ،
مَدِينَتَانِ
لَا تَتَنَافَسَانِ،
بَلْ
تَتَعَانَقَانِ
عَبْرَ الذَّاكِرَةِ،
عَبْرَ التَّارِيخِ،
عَبْرَ نَبْضٍ
وَاحِدٍ،
إِذَا تَوَقَّفَ فِي إِحْدَاهُمَا
اخْتَنَقَتِ
الْأُخْرَى.
وَهَكَذَا،
حِينَ أُغَادِرُ،
لَا أُوَدِّعُ مَدِينَةً،
بَلْ
أُصَافِحُ أُخْتًا
تُشْبِهُ الْأُولَى
فِي الرُّوحِ…
وَتَخْتَلِفُ
فَقَطْ
فِي الِاسْمِ.



