
تقرير: أشرف أبو عريف
في مساءٍ ممهور بوقار الدبلوماسية ومشحون بذاكرة التاريخ، أحيت سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالقاهرة الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، في مشهدٍ ازدانت به القاعة بوجوه الدبلوماسية والفكر، وبحضورٍ تقدّمه معالي السفير عمرو حمزة، مساعد وزير الخارجية المصرية للشؤون الآسيوية، والسفير المخضرم السيد/ رفعت الأنصاري، إلى جانب عدد من السفراء ورؤساء البعثات، ونخبة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين والمثقفين، في لحظةٍ حملت دلالة السياسة ودفء الثقافة.
السفير مجتبى فردوسي بور، سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى مصر، اعتلى منصة الخطاب لا بوصفه ناقل كلمات بروتوكولية، بل شاهدًا على مسارٍ طويل، استعاد خلاله حكاية ثورةٍ وُلدت من رحم الإرادة الشعبية، وتأسست على الإيمان والهوية والاستقلال، في مواجهة نظامٍ تابعٍ قدّم مصالح الخارج على صوت الداخل.
لم يكن الخطاب استدعاءً للتاريخ بقدر ما كان تثبيتًا للمعنى؛ فالثورة، كما صوّرها السفير، لم تكن لحظة انفعال، بل مشروع سيادة، ومسار دولة اختارت أن تمضي في درب الاستقلال والحرية والعدالة، وأن تصون كرامتها الوطنية رغم الضغوط والعواصف، مستندة إلى إرادة شعبها وقدراته الذاتية.
وعلى امتداد الكلمات، انفتحت نوافذ الداخل الإيراني:
علمٌ يتقدّم، وتكنولوجيا تشق طريقها، واقتصاد يحاول أن يتنفس خارج رئة النفط، وخدمات اجتماعية تسعى إلى تحسين جودة حياة المواطنين، رغم ثقل العقوبات وقسوة المعادلات الدولية. كان الحديث هنا أقرب إلى سرد صمودٍ هادئ، لا صخبَ فيه ولا إنكار للتحديات، بل تأكيد على الاستمرارية والقدرة على التكيّف.
غير أن القاهرة لم تكن مجرد مسرحٍ للخطاب، بل كانت في قلبه. فقد بدا واضحًا أن العلاقات المصرية–الإيرانية تشغل مساحة متقدمة في الرؤية المطروحة؛ رؤية ترى في البلدين دولتين عريقتين، يحمل كلٌّ منهما ثقل التاريخ ومسؤولية الحاضر وإمكانات المستقبل. ومن هنا جاء التأكيد على أن الحوار البنّاء والتعاون المتدرج قادران على فتح مسارات جديدة تخدم الشعبين، وتدعم استقرار الإقليم.
وفي نبرة تقدير لافتة، وجّه السفير شكره للقيادة المصرية، وللجهود الدبلوماسية المبذولة من أجل خفض التوترات الإقليمية، في إشارةٍ تعكس إدراكًا لحساسية المرحلة، وحاجة المنطقة إلى صوت العقل والحكمة، وسط إقليمٍ تتنازعه الأزمات وتثقل كاهله الصراعات.
وحين لامس الخطاب جراح المنطقة، من العدوانات والضغوط والحملات السياسية والإعلامية، اختار لغة الدفاع لا التحريض، ولغة الدبلوماسية لا التصعيد. رسالةٌ مفادها أن إيران، وهي تؤكد حقها في حماية سيادتها وأمنها الوطني، لا تزال ترى في الحوار خيارًا استراتيجيًا أقل كلفة وأكثر قابلية للاستمرار من مفاوضاتٍ تُدار تحت التهديد والضغط.
وفي ختام المشهد، لم يكن الوداع مجرد عبارة بروتوكولية، بل دعاءً مفتوحًا بأن تمضي إيران ومصر نحو السلام والاستقرار والتقدم، وكأن الكلمات أرادت أن تقول إن الجغرافيا قد تفرض تباعدًا، لكن التاريخ والحكمة قادران على رسم جسورٍ جديدة.
هكذا، لم يكن الاحتفال مجرد ذكرى ثورة، بل لحظة تأمل في معنى الدولة، وحدود القوة، وإمكانات الحوار…
حين تُنصت السياسة لصوت التاريخ، وتُمسك الدبلوماسية بخيط الشعر.



