
أشرف أبو عريف
في قلب Munich، حيث اعتادت السياسة أن ترتدي معطفها الشتوي الثقيل، تحضر رئيسة البرلمان الأوروبي Roberta Metsola إلى Munich Security Conference، لا كضيفة عابرة، بل كصوتٍ أوروبي يسعى إلى تثبيت إيقاعه وسط ضجيج العالم.
المؤتمر هذا العام لا يُعقد في زمنٍ عادي؛ بل في لحظة تتزاحم فيها الأزمات، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن صعود النزاعات إلى ارتباك النظام الدولي. مشاركة ميتسولا تعبّر عن تحوّل لافت: البرلمان الأوروبي لم يعد يكتفي بدور تشريعي داخلي، بل يسعى إلى ترسيخ نفسه كفاعل سياسي في معادلة الأمن الدولي.
إيران… بين كسر الحلقة وإعادة إنتاجها
في جلسة اليوم التي تنظمها CNN تحت عنوان
“Breaking or Repeating the Cycle? Iran’s Next Chapter”
تجلس ميتسولا على طاولة واحدة مع السيناتور الأميركي Lindsey Graham، والمسؤولة السعودية Manal Radwan، والباحث في Carnegie Endowment for International Peace Karim Sadjadpour، بإدارة الإعلامية Christiane Amanpour.
العنوان بحد ذاته سؤال وجودي:
هل تدخل إيران فصلاً جديداً من الانفتاح والتسويات؟ أم أننا أمام دورة أخرى من التصعيد والعقوبات والردع المتبادل؟
وجود أوروبا في هذا النقاش ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فالاتحاد الأوروبي كان أحد مهندسي الاتفاق النووي، ولا يزال يعتبر أن الاستقرار في الخليج جزء من أمنه الداخلي. من هنا، تسعى ميتسولا إلى تثبيت رؤية أوروبية تقوم على “الاستراتيجية” لا التبعية، وعلى الدبلوماسية المشروطة لا المواجهة المفتوحة.
“ائتلاف القادرين”… أوروبا في اختبار القوة
غداً، تتبدل زاوية النقاش نحو أوكرانيا. في جلسة بعنوان “Coalition of the Able”، تجلس ميتسولا إلى جانب الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy، والأمين العام لحلف الناتو Mark Rutte، مجدداً بإدارة أمانبور.
العنوان هنا ليس مجرد شعار، بل رسالة:
من هم “القادرون”؟ وهل أوروبا مستعدة لأن تكون منهم فعلاً، لا خطاباً؟
النقاش حول مستقبل الدفاع الأوروبي ودعم كييف يعكس تحولاً بنيوياً داخل الاتحاد: من قوة اقتصادية عملاقة إلى لاعب أمني يسعى لبناء استقلالية دفاعية. الحرب في أوكرانيا أعادت تعريف مفاهيم الردع، والسيادة، والتحالفات، وأجبرت أوروبا على إعادة التفكير في علاقتها بالولايات المتحدة وحلف الناتو.
أوروبا… من هامش الأحداث إلى مركز الطاولة
هذه المشاركة المكثفة تعكس طموح البرلمان الأوروبي إلى لعب دور “أكثر تأثيراً واستراتيجية” على المسرح العالمي. فالأمن لم يعد ملفاً عسكرياً فقط، بل شبكة مترابطة من الطاقة، والهجرة، والعقوبات، والدبلوماسية الوقائية.
ميونخ هذا العام ليس مجرد مؤتمر؛ إنه مرآة عالمٍ يتغير.
ووجود ميتسولا في قلب هذه الحوارات يعني أن أوروبا تحاول أن تكتب سطرها الخاص في رواية النظام الدولي الجديد.
بين سؤال إيران، وحرب أوكرانيا، ومستقبل الدفاع الأوروبي، يتردد في أروقة ميونخ سؤال واحد:
هل ستكون أوروبا صدىً للقوى الكبرى… أم ستصبح هي نفسها أحد أصدائها الثقيلة؟



