مجلس السلام… أم إعادة هندسة الصراع؟!
من غزة إلى طهران… ومن الغموض النووي إلى ميزان الردع المختل!

رئيس التحرير يكتب
في السياسة الدولية لا تُختار المصطلحات عبثًا. حين يُطرح مفهوم “مجلس السلام” في توقيت تشتعل فيه غزة ويتصاعد التوتر مع إيران، يصبح السؤال مشروعًا:
هل نحن أمام منصة حقيقية للتهدئة… أم إطار جديد لإعادة ترتيب الاصطفافات؟
أولًا: السياق… لماذا الآن؟
🔥 غزة لم تُغلق
الحرب التي يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم تتوقف، بل تحولت إلى استنزاف مفتوح. غزة لم تعد مجرد ساحة مواجهة، بل أصبحت عقدة استراتيجية.
التصعيد هناك أعاد توجيه الأنظار نحو إيران باعتبارها لاعبًا مؤثرًا في الإقليم.
ثانيًا: ما هو “مجلس السلام” المحتمل؟
حتى الآن لا يوجد كيان رسمي معلن بهذا الاسم، لكن الطرح المرتبط بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب يُفهم كتحالف سياسي– أمني خارج الأطر التقليدية مثل الأمم المتحدة.
إذا تشكل، فمن المرجح أن يضم:
- 🇺🇸 الولايات المتحدة: القيادة السياسية والعسكرية
- 🇮🇱 إسرائيل: خط المواجهة الأول
- 🇸🇦 السعودية: ميزان الطاقة والشرعية العربية
- 🇦🇪 الإمارات: الذراع الاقتصادية والدبلوماسية
- 🇪🇬 مصر: حجر الزاوية الجغرافي وملف غزة
- 🇬🇧 بريطانيا و 🇫🇷 فرنسا: الغطاء الأوروبي
الهدف الظاهر: الاستقرار.
السؤال الخفي: الاستقرار ضد من؟
ثالثًا: إيران بين الإقرار الفني والشك السياسي
أقرت هيئة الطاقة الذرية الدولية في تقارير سابقة بعدم وجود دليل على برنامج تسليح نووي إيراني نشط بعد 2003، خاصة في إطار الاتفاق النووي لعام 2015.
إيران عضو في معاهدة عدم الانتشار، ومنشآتها خضعت لرقابة واسعة.
لكن الخلاف لم يكن تقنيًا فقط… بل سياسيًا:
مستوى التخصيب، وسرعة “الاختراق النووي” المحتمل، وثقة الغرب في نوايا طهران.
رابعًا: إسرائيل… الغموض الذي لا يُسأل!
Israel:
- لم توقّع على معاهدة عدم الانتشار
- لا تخضع منشآتها لرقابة شاملة
- تتبنى سياسة “لا تأكيد ولا نفي”
التقديرات الدولية غير الرسمية تشير إلى امتلاكها قدرات نووية متقدمة، دون إعلان رسمي.
وهنا يظهر السؤال الجوهري:
لماذا يُعامل برنامج خاضع للرقابة الدولية كتهديد وجودي،
بينما يُعتبر الغموض النووي الإسرائيلي ردعًا مشروعًا؟
خامسًا: المظلة الأمريكية
تمنح الولايات المتحدة إسرائيل دعمًا استراتيجيًا واسعًا:
- مساعدات عسكرية سنوية
- تنسيق استخباراتي عميق
- حماية دبلوماسية دولية
هذا الدعم يُفسَّر من قِبل منتقدين كحصانة سياسية،
بينما تراه واشنطن ضمانة لاستقرار حليفها الأساسي.
سادسًا: الخطر الحقيقي على الشرق الأوسط
الخطر لا يكمن فقط في عدد الرؤوس النووية،
بل في:
- غياب منظومة أمن إقليمي شاملة
- تطبيق انتقائي لقواعد عدم الانتشار
- تصاعد خطاب الردع بدل بناء الثقة
إذا شعرت دول المنطقة بأن القواعد لا تُطبق بالتساوي، فإن سباق تسلح جديد قد يصبح احتمالًا قائمًا.
الخلاصة الكبرى
“مجلس السلام” — إن تشكل — لن يُختبر بشعاراته،
بل بمعاييره.
إما أن يكون إطارًا شاملًا يخضع فيه الجميع لنظام أمني واحد، أو سيُنظر إليه كتحالف اصطفافي جديد في مواجهة طهران.
في النهاية، الشرق الأوسط لا يعيش أزمة سلاح فقط،
بل أزمة ثقة.
والسلام الحقيقي لا يُبنى بالغموض،
ولا يستقيم بمعايير مزدوجة،
ولا يستقر تحت مظلة ردعٍ غير متوازن.
السؤال الذي سيبقى معلقًا:
هل نحن أمام مجلس للسلام…
أم أمام هندسة أكثر أناقة لصراعٍ أطول؟



