
السفير جمال بيومى يكتب
مساعد وزير الخارجية الأسبق
في فنّ التفاوض، لا تُحسم المعارك بالكلمات وحدها، بل تُدار بالمشهد، ويُصاغ القرار أحيانًا على وقع ضوءٍ وصورةٍ ومكان. فالإخراج ليس زينة جانبية في الدبلوماسية، بل أداة من أدواتها الرفيعة؛ بهيئة الطاولة، بإطلالة الشرفة، بطبقٍ في قائمة العشاء، أو حتى بكرسي يُضاف في اللحظة المناسبة.
من بين أكثر من أتقنوا هذا الفن، برز اسم عمرو موسى، الذي جمع بين الخيال وسرعة البديهة، وجعل من كل لقاءٍ فرصةً لإبهار الضيف وإقناعه، لا عبر الضغط، بل عبر الذكاء المشهدي الذي يمهّد الطريق للقرار.
عشاء على ضوء الهرم… والسياسة تبتسم
في إحدى الأمسيات، استضاف موسى وزير خارجية فرنسا آنذاك بيير فيدرين على عشاءٍ بشرفة فندق مينا هاوس المطلة على عرض الصوت والضوء عند الأهرامات. كان على رأس المدعوين رئيس الوزراء الدكتور عاطف صدقي، وبين الحضور النجم العالمي عمر الشريف.
جلس عمر الشريف على مائدة منفصلة وفقًا للبروتوكول، لكن سحر المكان جمع ما فرّقته الترتيبات. ما إن لمح الوزير الفرنسي النجم المصري حتى أبدى رغبته في الحديث إليه، فأُضيف كرسي إلى مائدة الشرف، وتحول المشهد إلى لحظة دافئة كسرت الجليد السياسي.
حين استأذن عمر الشريف للانتقال إلى مائدة الوزراء، مازحه أحد الحاضرين: “تبيعنا من أجل الحكّام؟” فضحك قائلاً إن الأمر “من أجل الوطن”. وهكذا، بين ضوء الأهرام وابتسامة نجم، أدّت الدعوة غرضها… وزيادة.
طبق “الريزوتو”… وصفقة بالأرز
وفي مناسبة أخرى، دعا موسى وزير خارجية إيطاليا إلى عشاء على ظهر باخرة نيلية، وحرص أن تتضمن المائدة طبق “الريزوتو” الإيطالي بالبارميزان. أعجب الوزير بالطبق وقال مبتسمًا:
“This is a very good Risotto.”
فجاءه الرد سريعًا بخفة ظل محسوبة:
“It will cost you 25,000 tons of rice for Egypt to export.”
ضحك الوزير… لكن المفارقة أن الضحكة تحولت إلى واقع، إذ زادت إيطاليا بالفعل وارداتها من الأرز المصري بهذا القدر. وبعد فترة، في مطار الجزائر، ما زال الوزير يذكر “العشاء الذي كلّفه 25 ألف طن من الأرز”.
هكذا يتحول طبق على مائدة إلى جسر تجارة، وتتحول الدعابة إلى رقم في ميزان الصادرات.
إفطار على ضفاف النيل… ومفاوضات على شرفة التاريخ
وفي أسوان، تزامنت مناسبة رئاسية مع زيارة وزير خارجية ألمانيا. كان مقرّرًا أن تُعقد المباحثات في قاعة إفطار بفندق هيلتون أسوان، لكن القاعة كانت في بدروم بلا نوافذ. رفض موسى أن يُدار حوار في أجمل بقعة من النيل خلف جدران صماء، وأمر بنقل الإفطار إلى شرفة جناح الملك فاروق بفندق فندق كتاراكت المطل على النيل.
هناك، حيث الماء ينساب والضوء يتهادى، بدأ الوزير الألماني حديثه بعبارة لافتة:
“أنا جاهز لأوامرك ولمحاكمتك لي.”
في ذلك الجو المفتوح، استُعرضت مطالب مصر في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي خلال الرئاسة الألمانية، واستجاب الوزير لعددٍ كبير منها. بل إن ألمانيا تحملت بضعة ملايين من تكلفة الاتفاق لإرضاء مصر، وأرسلت لاحقًا وزير الدولة للشؤون الخارجية لإنهاء نقاط خلاف رئيسية في جولة القاهرة.
كان المشهد جزءًا من التفاوض… بل ربما كان مفتاحه.
الخلاصة: حين يكون الإخراج سياسة
الدبلوماسية ليست نصوصًا مكتوبة فحسب، بل هي أيضًا مسرحٌ تُدار عليه اللحظة. المكان رسالة، والطعام إشارة، والضوء حجة صامتة. وحين يُحسن المفاوض اختيار المشهد، فإنه لا يجمّل اللقاء فحسب، بل يوجّه نتيجته.
هكذا تعلّمنا أن الإخراج في التفاوض ليس ترفًا… بل استراتيجية. وأن شرفة تطل على النيل قد تساوي في ميزان السياسة ما لا تساويه عشرات الصفحات من المذكرات الرسمية.



