بين الردع النووي واشتعال المضائق… هل تنزلق المنطقة إلى حرب كبرى؟

أشرف أبو عريف يكتب
في لحظة تاريخية شديدة الارتباك، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك فوق صفيح من نار. ضربات إسرائيلية وأمريكية ضد إيران، ردود إيرانية على أهداف أمريكية وإسرائيلية، إدانات عربية متسارعة… وصمت ثقيل حين يتعلق الأمر بدماء غزة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عسكريًا فقط، بل أخلاقي أيضًا:
هل تصبح الإدانة واجبًا عندما تُستهدف قواعد أمريكية، لكنها تتحول إلى لغة دبلوماسية باهتة حين يُقصف المدنيون في غزة؟
دول الخليج – باستثناء سلطنة عُمان – وجدت نفسها في موقع بالغ الحساسية. بعضها سمح باستخدام مجاله الجوي أو تسهيلات لوجستية، ما جعلها عمليًا جزءًا من معادلة الاشتباك. ثم جاءت الردود الإيرانية لتفتح باب القلق: هل تتحول أراضي المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات بين قوى أكبر؟
الإدانات العربية لإيران يمكن فهمها في إطار حماية السيادة ومنع توسع الحرب. لكن المشكلة أن الشارع العربي لا يقيس الأمور بميزان القانون الدولي وحده، بل بميزان العدالة والاتساق الأخلاقي.
الخطر الحقيقي ليس فقط في الصواريخ، بل في فقدان الثقة الشعبية في الخطاب الرسمي.
نحن أمام مفترق طرق:
إما احتواء سريع عبر وساطات إقليمية (القاهرة، مسقط، الدوحة)،
أو انزلاق بطيء نحو حرب أوسع قد تتجاوز حدود السيطرة.
هل هي حرب عالمية ثالثة؟
ليس بعد.
لكن التاريخ يُعلّمنا أن الحروب الكبرى تبدأ دائمًا باعتقاد الأطراف أنها ستكون محدودة.
أخطر ما في المشهد ليس التصعيد العسكري، بل تراكم سوء الحسابات.
ثانيًا: تحليل استراتيجي معمّق
الشرق الأوسط على حافة إعادة تشكيل النظام الدولي
1- بنية الصراع الحالية
المشهد يتكوّن من أربعة مستويات:
- إسرائيل في مواجهة مباشرة مع إيران.
- الولايات المتحدة كداعم عسكري رئيسي.
- الخليج في موقع الحليف اللوجستي.
- إيران تستخدم أوراق الرد غير المتكافئ.
هذه ليست حربًا تقليدية بين جيشين، بل شبكة اشتباك متعددة الساحات.
2- هل تدخل روسيا أو الصين ممكن؟
روسيا
روسيا تدعم إيران سياسيًا وعسكريًا، لكنها غارقة في أوكرانيا.
دخولها المباشر يعني مواجهة مفتوحة مع واشنطن.
الصين
الصين تعتمد على نفط الخليج.
أي حرب واسعة ستضرب اقتصادها.
بكين تفضّل الوساطة لا المواجهة.
النتيجة:
دعم غير مباشر نعم.
مواجهة مباشرة؟ احتمال ضعيف جدًا.
3- هل نحن أمام حرب نووية؟
الردع النووي لا يزال يعمل.
لا طرف يريد كسر “تابو” السلاح النووي.
لكن الخطر يكمن في:
- خطأ في الحسابات
- ضربة تصيب هدفًا استراتيجيًا بالغ الحساسية
- انهيار قنوات الاتصال
احتمال الحرب النووية الشاملة لا يتجاوز – وفق تقديرات مراكز أبحاث دولية – نطاقًا منخفضًا، لكنه ليس صفرًا.
4- أخطر ورقة: مضيق هرمز
مضيق هرمز
يمر عبره حوالي 20% من نفط العالم.
إغلاقه يعني:
- أسعار نفط قد تقفز إلى 150–200 دولار
- تضخم عالمي حاد
- انهيارات في الأسواق الناشئة
- تدخل عسكري بحري فوري
إيران قادرة على تعطيله مؤقتًا عبر:
- ألغام بحرية
- صواريخ ساحلية
- زوارق سريعة
لكن لا تستطيع إغلاقه طويلًا دون حرب شاملة.
5️⃣ تداعيات على مصر
مصر ستتأثر عبر:
- ارتفاع أسعار الطاقة
- ضغط على الموازنة
- اضطراب حركة التجارة
- احتمالات توتر أمني إقليمي
لكنها قد تستفيد جزئيًا من:
- ارتفاع أهمية قناة السويس إذا أعيد توجيه بعض المسارات
ثالثًا: سيناريوهات مستقبلية مفصلة
السيناريو الأول: تصعيد محدود (40%)
ضربات متبادلة محسوبة.
لا إغلاق لهرمز.
تدخل دبلوماسي سريع.
السيناريو الثاني: حرب إقليمية واسعة (35%)
ضرب منشآت نفطية خليجية.
تعطيل جزئي للملاحة.
تدخل أمريكي أوسع.
السيناريو الثالث: احتواء دبلوماسي (20%)
وساطة عبر:
- القاهرة
- مسقط
- بكين
عودة تدريجية للتهدئة.
السيناريو الرابع: انزلاق دولي خطير (5%)
دخول روسي مباشر.
رد أمريكي واسع.
تصعيد نووي تكتيكي محدود.
هذا السيناريو كارثي لكنه الأقل احتمالًا.
الخلاصة الكبرى
لسنا بعد في حرب عالمية ثالثة.
لكننا في أخطر لحظة جيوسياسية منذ الحرب الباردة.
الخطر ليس في قوة السلاح، بل في سوء تقدير اللحظة.



