
أشرف أبو عريف
في مشهدٍ عالميٍّ مضطرب، تتكاثر فيه بؤر التوتر وتُغلق فيه بعض الأبواب في وجه المسافرين، تُقدّم أوزبكستان نموذجًا مغايرًا؛ دولةٌ تفتح نوافذها للعالم، لا فقط بسحر تاريخها، بل بثقةٍ تُبنى على الأمان والانفتاح.
الأرقام هنا ليست مجرد إحصاءات، بل لغةُ صعودٍ واضحة: نحو 12 مليون سائح في عام واحد، بنموٍ يبلغ 16%، وعائدات تجاوزت 4.8 مليار دولار — كلها مؤشرات على تحوّلٍ استراتيجي، لا طفرة عابرة. هذا النمو يعكس نجاح سياسة ممنهجة تُدير السياحة كقطاع سيادي، لا كترفٍ اقتصادي.
ما يلفت النظر هو أن هذا التقدم لم يكن عفويًا، بل جاء نتيجة هندسة إصلاحية دقيقة:
- تحديث البنية التحتية
- تحسين الربط والنقل
- رقمنة الخدمات
- خلق بيئة سفر سلسة وميسّرة
بل إن أوزبكستان ذهبت أبعد من ذلك، حين أعادت تعريف “الدخول” ذاته، عبر:
- إعفاء مواطني 94 دولة من التأشيرة
- توفير تأشيرة إلكترونية لـ 52 دولة
- وإتاحة عبورٍ مرن دون تأشيرة لمدد قصيرة
هنا تتحول الدولة من “وجهة” إلى منصة استقبال عالمية.
لكن العامل الحاسم، والذي يفسّر هذا الزخم، هو الأمان. في عالمٍ يُعيد ترتيب أولوياته السياحية بناءً على الاستقرار، تقدّم أوزبكستان نفسها كـ”ملاذٍ مطمئن”، مدعومًا بتصنيفات دولية قوية:
- تصنيف منخفض المخاطر وفق خرائط المخاطر العالمية
- المرتبة 25 عالميًا في مؤشر الأمان
- المرتبة الأولى عالميًا في أمان السفر الفردي للنساء
هذه الأرقام لا تعكس فقط انخفاض الجريمة، بل تعكس ثقة المجتمع في دولته، وفعالية مؤسساتها الأمنية، وهو ما يُعد رأس المال الحقيقي لأي قطاع سياحي مستدام.
وفي عمق هذا المشهد، لا يمكن إغفال البعد الثقافي: فأوزبكستان لا تبيع مجرد مواقع أثرية على طريق الحرير، بل تقدّم ثقافة الضيافة كهوية وطنية — حيث يُستقبل الغريب كضيف، ويُعامل السائح كحكايةٍ تُروى لا كرقمٍ يُحصى.
خلاصة القول:
أوزبكستان لا تُسوّق لنفسها كوجهة سياحية فحسب، بل كـتجربة متكاملة تجمع بين التاريخ، الحداثة، والأمان.
وفي زمنٍ تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على جذب البشر لا فقط رؤوس الأموال، تبدو طشقند وسمرقند وبخارى وكأنها تقول للعالم:
“هنا… يمكن للرحلة أن تبدأ دون خوف، وأن تنتهي بحنين.”



