لبنان بين خطاب الدولة وسلاح الواقع: هل يفتح الرئيس أبواب الانقسام؟
بين انتقاد حزب الله وتجاهل إسرائيل… قراءة في خطاب يثير الجدل ويختبر توازنات الداخل اللبناني

رئيس التحرير يكتب
في لحظة إقليمية مشحونة، وداخل لبناني مثقل بالأزمات، جاء خطاب رئيس الجمهورية ليشعل جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب مضمونه، بل بسبب توقيته واتجاه بوصلته. فبينما تتصاعد التوترات على الحدود الجنوبية، اختار الخطاب أن يسلّط الضوء على الداخل، وتحديدًا على سلاح حزب الله، في مقابل حضور باهت—أو شبه غائب—للعدو التقليدي: إسرائيل.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية:
هل نحن أمام محاولة لإعادة تصويب بوصلة الدولة… أم أمام خطاب قد يُفهم كإعادة إنتاج للانقسام؟
الدولة في مواجهة “الدولة داخل الدولة”
من زاوية أولى، يمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة لإحياء مفهوم الدولة المركزية، التي تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم. وهي معادلة لطالما شكّلت جوهر الأزمة اللبنانية منذ عقود، حيث يتقاطع السياسي بالأمني، والداخلي بالإقليمي.
هذا الطرح ليس جديدًا، لكنه يكتسب حساسية مضاعفة حين يُطرح في توقيت متوتر، ما يجعله يبدو—في نظر البعض—وكأنه استهداف مباشر لتوازن قائم، لا مجرد طرح إصلاحي نظري.
الغياب اللافت لإسرائيل… دلالة أم تكتيك؟
في المقابل، يثير تغييب أو تقليل الإشارة إلى إسرائيل تساؤلات مشروعة.
هل هو تجاهل غير مبرر لخصم تاريخي؟
أم محاولة لتفادي التصعيد، وإبقاء الخطاب ضمن حدود الداخل؟
بعض القراءات ترى في هذا الاختيار رسالة مزدوجة:
- إلى الخارج: لبنان يسعى لضبط إيقاعه الداخلي
- إلى الداخل: الأولوية لإعادة ترتيب البيت من الداخل قبل أي مواجهة خارجية
لكن هذه المقاربة، رغم وجاهتها النظرية، تصطدم بحساسية الشارع، الذي لا يفصل بسهولة بين الأمن الداخلي والتهديد الخارجي.
بين السياسة والمخاطرة
الخطاب، بهذا المعنى، يقف على خيط رفيع:
فهو من جهة يحاول ترسيخ منطق الدولة،
ومن جهة أخرى يخاطر بتأجيج انقسام قائم.
الحديث عن “انتحار سياسي” قد يكون توصيفًا متسرعًا، لكنه يعكس حجم القلق من أن تؤدي مثل هذه الخطابات إلى:
- توسيع فجوة الثقة بين المكونات اللبنانية
- إعادة إنتاج خطاب التخوين
- فتح المجال أمام استثمار خارجي للانقسام الداخلي
الخلاصة: خطاب في منطقة رمادية
ما بين الدفاع عن الدولة، ومخاطر الانقسام، يظل الخطاب في منطقة رمادية شديدة الحساسية.
فهو ليس دعوة صريحة للصدام، لكنه أيضًا ليس خطابًا توافقيًا يطفئ الحرائق.
وفي لبنان، حيث الكلمات قد تتحول إلى وقائع،
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل كان الخطاب خطوة نحو استعادة الدولة… أم مغامرة في حقل ألغام سياسي؟



