
د. محمود ريحان يكتب
لم يعد الحديث عن الطاقة في أوروبا ترفًا اقتصاديًا أو بندًا تقنيًا في تقارير المفوضيات، بل تحوّل إلى سؤال وجودي يتعلق بالأمن والسيادة معًا. منذ أن اهتزّت علاقة الاتحاد الأوروبي مع روسيا، دخلت القارة في سباق مع الزمن لإعادة بناء منظومة إمداداتها، بعدما اكتشفت أن اعتمادها السابق—الذي وصل في لحظة ما إلى قرابة 40% من واردات الغاز—لم يكن مجرد خيار اقتصادي، بل نقطة ضعف استراتيجية.
هذا الإدراك لم يدفع أوروبا إلى القطيعة بقدر ما دفعها إلى إعادة التوازن. فالقارة التي خفّضت اعتمادها على الغاز الروسي إلى مستويات أقل بكثير خلال فترة وجيزة، لم تجد بديلًا واحدًا قادرًا على ملء الفراغ، بل بدأت ترسم شبكة معقّدة من البدائل، تتوزع جغرافيًا لتقليل المخاطر. وفي هذا البحث عن “مساحة أمان”، برز شرق المتوسط كخيار لا تفرضه السياسة فقط، بل تفرضه الجغرافيا أيضًا.
هنا، في هذا الحيّز البحري الذي طالما بدا هامشيًا في معادلات الطاقة الكبرى، تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى وجود نحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهي أرقام كافية لنقل المنطقة من هامش الاهتمام إلى قلبه. لكن الثروة وحدها لا تصنع مركزية النفوذ؛ فالمعادلة الحقيقية تتشكل حين تلتقي الموارد بالبنية التحتية، وحين تجد أوروبا نفسها أمام خريطة تتقاطع فيها مصالح مصر وقبرص واليونان، مع امتداداتها نحو لبنان وسوريا، بينما تظل تركيا حاضرة كقوة لا يمكن تجاوزها، سواء بحكم موقعها أو طموحها.
وسط هذا التشابك، تتقدم مصر بخطوة تختلف نوعيًا عن بقية الأطراف. فبينما تمتلك بعض الدول احتياطيات واعدة، تمتلك القاهرة ما هو أكثر حسمًا في لحظة التحول: القدرة على تسييل الغاز وإعادة تصديره. عبر محطتي إدكو ودمياط، وبطاقة إجمالية تتجاوز 12 مليون طن سنويًا، تتحول مصر من مجرد دولة منتجة إلى عقدة ربط إقليمية، قادرة على استقبال الغاز من حقول متعددة وإعادته إلى الأسواق الأوروبية في صورته القابلة للنقل. هكذا، يصبح التعاون—لا التنافس—هو المسار الأكثر عقلانية؛ إذ لا يكفي أن تمتلك الدول الغاز، بل يجب أن تمتلك طريقه إلى السوق.
هذا المنطق يخلق شبكة مصالح يصعب تفكيكها بسهولة. فاليونان تمثل بوابة الربط مع أوروبا، وقبرص نقطة ارتكاز في البحر، بينما تحاول تركيا تثبيت نفسها كممر بديل لا يقل أهمية. في المقابل، تقف دول مثل لبنان وسوريا عند عتبة الاستفادة من مواردها، في حال ما استقرت معادلاتها السياسية، فيما يظل وجود إسرائيل عاملًا معقدًا يضيف بعدًا سياسيًا لا يمكن فصله عن الحسابات الاقتصادية.
ورغم هذا التوجه جنوبًا، لا يمكن قراءة الاستراتيجية الأوروبية باعتبارها قطيعة كاملة مع روسيا. فالحقيقة التي تفرض نفسها أن الجغرافيا لم تتغير، وأن شبكات الإمداد الروسية ستظل—بدرجة أو بأخرى—جزءًا من المعادلة. ما تغيّر هو ميزان القوة داخل هذه العلاقة؛ إذ تسعى أوروبا إلى تقليص قدرتها على التعرض للضغط، لا إلى استبدال اعتماد بآخر. ومن هنا، يصبح شرق المتوسط جزءًا من استراتيجية “توزيع المخاطر”، لا مجرد بديل جغرافي.
غير أن هذه الصورة، التي تبدو متماسكة على الورق، تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا. فالنزاعات الحدودية، وتباين المواقف السياسية، وغياب التناغم بين بعض الأطراف، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، تجعل من أي مشروع إقليمي عملية دقيقة تتطلب إدارة سياسية بقدر ما تتطلب حسابات اقتصادية. لذلك، لم يكن الاجتماع التشاوري الذي استضافته قبرص مجرد مناسبة بروتوكولية، بل كان انعكاسًا لإدراك متزايد بأن مستقبل الطاقة في المنطقة لن يُحسم بقرارات أحادية، بل عبر تفاهمات معقّدة تُبنى تدريجيًا.
في هذا السياق، يتجاوز السؤال حدود من يمتلك الغاز إلى من يمتلك القدرة على جمع الأطراف حول رؤية مشتركة. وهنا تحديدًا تتشكل لحظة فارقة لدول المنطقة، وفي مقدمتها مصر، التي تقف أمام فرصة لتحويل موقعها وبنيتها التحتية إلى ركيزة في منظومة طاقة إقليمية تتقاطع عندها مصالح أوروبا والعالم العربي وحتى روسيا.
في النهاية، لم يعد شرق المتوسط مجرد ساحة جديدة للطاقة، بل أصبح اختبارًا لقدرة الدول على إدارة توازن دقيق بين التعاون والتنافس. وأوروبا، التي تعلّمت درس الاعتماد الأحادي، تسعى اليوم إلى كتابة معادلة أكثر تعقيدًا، لكنها أيضًا أكثر أمانًا. أما المنطقة نفسها، فهي أمام خيار واضح: إما أن تتحول إلى نموذج لتكامل المصالح، أو تبقى أسيرة صراعات تُبدد ما تملكه من فرص.
وبين هذا وذاك، تتحدد ملامح المرحلة القادمة، حيث لا تُقاس القوة فقط بما تحت الأرض، بل بقدرة من فوقها على إدارة اللعبة.



