رئيس التحريرسلايدر

حين تختل البوصلة… هل أصبحت البيانات الرسمية بعيدة عن نبض الشارع؟

Listen to this article

أشرف أبو عريف يكتب

في زمنٍ أصبحت فيه الحقيقة تُختبر بتعدد الروايات، لا بمجرد صدور البيانات، يلفت الانتباه تشابه اللغة المستخدمة في كثير من المواقف الرسمية؛ إدانةٌ لإيران، وتحذيرٌ من تداعيات تحركاتها، بينما تبدو مساءلة بقية أطراف الصراع أقل حضورًا في الخطاب السياسي. ويزداد الجدل عندما تتباين الروايات المعلنة مع ما تكشفه الوقائع اللاحقة؛ إذ قد يُعلن اعتراض معظم الصواريخ الباليستية، ثم تُعلن لاحقًا خسائر بشرية أو مادية، وهو ما يدفع قطاعات من الرأي العام إلى التساؤل: هل تعكس البيانات كامل المشهد، أم جزءًا منه فقط؟

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا تُوجَّه رسائل الإدانة والتحذير إلى إيران، بينما لا يظهر القدر نفسه من الحزم تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، رغم أن منتقدي هذا النهج يشيرون إلى أن إسرائيل واصلت عملياتها العسكرية خلال فترات تفاوض، وارتكبت انتهاكات واسعة في قطاع غزة، وامتدت عملياتها إلى لبنان ودول أخرى في المنطقة، وهو ما يرونه سببًا رئيسيًا في اتساع رقعة الصراع وتصاعد حالة عدم الاستقرار الإقليمي.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذا التفاوت في الخطاب يخلق انطباعًا بازدواجية المعايير، ويُضعف من مصداقية الرسائل السياسية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، التي تنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي باعتباره جوهر الصراع، وإلى الدعم الأمريكي لإسرائيل بوصفه عاملًا رئيسيًا في استمرار الأزمات.

ويحذر هؤلاء من أن أي خطاب لا يخاطب جميع الأطراف بالمعيار نفسه يفقد جزءًا من تأثيره الأخلاقي والسياسي. فحين تُوجَّه الإدانة إلى طرف واحد، بينما تُغفل أفعال أطراف أخرى، تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والوعي الشعبي.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي صانع قرار هو أن يرى صورته في مرآة لا تعكس الواقع كما هو؛ فالإفراط في الاقتناع بصواب المواقف، أو الاكتفاء بالأصوات المؤيدة، قد يصنع قناعة زائفة بأن المسار صحيح، بينما تكشف الوقائع مؤشرات مغايرة.

ولا يمكن إغفال أن المشهد الإقليمي أصبح أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في بيانات مقتضبة. فالمنطقة تواجه تراكمًا غير مسبوق من الأزمات، فيما تتراجع فرص التسويات السياسية كلما اتسعت رقعة المواجهات العسكرية. ولذلك، فإن العدالة في توصيف الأحداث، والاتساق في المعايير، والوضوح في تحديد مصادر الخطر، أصبحت عناصر لا تقل أهمية عن التحركات الدبلوماسية نفسها.

ومهما اختلفت القراءات السياسية، فإن النتيجة التي يكاد يجمع عليها الجميع هي أن استمرار التصعيد يدفع ثمنه الإنسان أولًا، ثم الاقتصاد، والأمن، والبيئة، ومستقبل المنطقة بأسرها. فلا يوجد منتصر حقيقي في منطقة تتآكل فيها فرص الاستقرار يومًا بعد يوم.

لقد أثبتت العقود الماضية أن الأمن لا يُبنى بالاستقطاب، ولا بالتحالفات المؤقتة، وإنما ببناء منظومة إقليمية تقوم على احترام سيادة الدول، وحسن الجوار، والحوار، وعدم تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

وربما تكون الرسالة الأخيرة هي الأهم: رفقًا بالأجهزة الأمنية، الوطنية والقومية. فالغضب المتراكم في الداخل لا يمكن التقليل من شأنه أو تجاهل مؤشراته. اليوم، الجميع يرى، والجميع يسمع، والجميع يشاهد، والجميع يحلل وينتقد، حتى وإن لم يحمل مؤهلًا أكاديميًا أو تخصصًا سياسيًا. لقد جعلت وسائل التواصل الاجتماعي كل مواطن شريكًا في تشكيل الرأي العام، وأصبح تجاهل هذا الوعي المتنامي، أو الاستخفاف به، مخاطرة سياسية لا تقل خطورة عن تجاهل الوقائع على الأرض. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بقوة الدولة وحدها، بل أيضًا بقدرتها على الإصغاء إلى مجتمعها، وقراءة التحولات بعينٍ ناقدة، ومراجعة السياسات كلما استدعت الوقائع ذلك. فالتاريخ يثبت أن الدول القوية ليست تلك التي لا تُنتقد، وإنما تلك التي تُحسن الاستماع قبل أن تُجبرها الأزمات على ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى