وَرْدَةٌ فِي بُسْتَانَيْنِ

شعر: أشرف أبو عريف
فُتِحَ الْكِتَابُ، وَفِي الْكُفُوفِ قَلَمْ
وَيَدَانِ تَرْتَجِفَانِ: خَوْفٌ… وَأَمَلْ
تَوْقِيعُهَا صَارَ الْعَقْدَ… وَعِنْدَمَا
خَطَّتْ، جَرَى فِي الْقَلْبِ نَهْرٌ مِنْ حَزَنْ
يَا وَرْدَةَ الْبُسْتَانِ بَيْنَ رِجَالِنَا
أَنْتِ الَّتِي كُنْتِ الْحَيَاةَ وَبَسْمَتَهَا
إِخْوَانُكِ السَّنَدُ الْقَوِيُّ، وَوَحْدَكِ
زَهْرٌ مَلَأْتِ الْوُجُودَ بِعِطْرِ رِقَّتِهِ
تَبْكِي الْأُمُومَةُ فِي حَيَاءٍ مُعْلَنٍ
وَالْأَبُ يُخْفِي فِي الدُّمُوعِ حَنِينَهُ
مُنْذُ الْمِيلَادِ وَنَحْنُ نَرْعَى حُلْمَنَا
كَبُرَتْ… وَحَانَ الْمَوْعِدُ الْمَكْتُوبُ لَهَا
مَرَّتْ سِنُونُ الْعُمْرِ… كَيْفَ تَسَارَعَتْ؟
خَطَوَاتُكِ الْأُولَى… وَمَكْتَبُكِ الصَّغِيرْ
سَهَرُ اللَّيَالِي فِي الْكِتَابِ وَمُصْحَفٍ
وَرِعَايَةٌ صِيغَتْ بِحُبٍّ لَا يَبُورْ
وَهُنَا صَوْتُ الْأَبُوَّةِ، إِذْ أَفْضَى حُزْنَهُ
لِـ«مُهَنَّدٍ»… وَعْدًا وَشَوْقًا فَاضَا:
«عُشْ مَيًّا… صُنْ وُرُودَ وِدَادِنَا،
هِيَ رُوحُنَا… فَارْعَ الْعَهْدَ وَاحْفَظْهَا.»
هَدَّأْتَ مِنْ رَوْعِ الْأَبُوَّةِ قَائِلًا:
«يَا عَمِّ، لَا تَخْشَ عَلَى الْأَمَلِ الْمَصُونْ!
لَمْ تَسْكُنِ الْقَلْبَ الشَّغُوفَ وَحَسْبُهُ،
بَلْ أَصْبَحَتْ هِيَ نَبْضَهُ الْحَيَّ الْمَكِينْ.
أَمْسَتْ لِعُمْرِي بَوْصَلَةَ هِدَايَةٍ،
مَهْمَا تَغَيَّرَتِ الْعُهُودُ مَعَ الزَّمَنْ.
الْأَمْسُ، وَالْيَوْمُ، وَالْغَدُ الْمَوْعُودُ… بَلْ
هِيَ الْمَلَاذُ، الْحُبُّ، أَرْوَاحُ السَّكَنْ.
اطْمَئِنَّ… بَيْنَ بُسْتَانِهَا فِي عُشِّنَا
سَرَابُ وُدٍّ لَا يُهَدُّ وَلَا يُضَامْ،
يَصِلُ الْبُسْتَانَ الْقَدِيمَ بِجَدِيدِهِ،
لِتَظَلَّ هَمْزَةَ وَصْلِنَا طُولَ الْأَيَّامْ.
إِنْ كَانَ جَسَدُهَا فِي الْبُسْتَانِ الْجَدِيدِ،
فَرُوحُهَا فِي بَيْتِكُمْ دَوْمًا تَطُوفْ،
وَإِنْ طَافَتِ الرُّوحُ الْبُسْتَانَ الْقَدِيمَ،
فَجَسَدُهَا هُنَا كَالزَّهْرَةِ فِي الْقُطُوفْ.»
وَانْتَهَى الزِّفَافُ… وَعَادَ لِلْبَيْتِ الْأَبُ،
فَتَحَ الْبَابَ… فَأَطْرَقَ الْقَلْبُ وَانْكَسَرْ.
دَخَلَ الْمَكَانَ… فَمَا وَجَدَ وَرْدَتَهُ،
تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ تُعَطِّرُ فِي الْمَسَاءِ زَوَايَاهُ.
سَارَتْ خُطَاهُ إِلَى غُرْفَاتِهَا،
كَأَنَّ قَلْبَهُ يَعْرِفُ الدَّرْبَ الَّذِي مَشَتْهُ.
وَهُنَا… كَانَتْ تَقِفُ أَمَامَ مِرْآتِهَا،
فَيَتَجَلَّى الْبَدْرُ فِي وَجْهِهَا وَيَزْهُو،
وَتَرْقُصُ السَّتَائِرُ عَلَى وَقْعِ هَمْسِ الْأَيَّامِ،
وَيَبْقَى صَوْتُ ضَحِكَاتِهَا فِي الْجَوِّ يَحْلُو.
وَهُنَا… كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى الْمَائِدَةِ،
فَتُطْعِمُ فَمَ أَبِيهَا بِيَدَيْهَا،
فَيَكْسِبُ حَنَانُهَا الطَّعَامَ مَذَاقَهُ،
وَتَغْدُو اللُّقْمَةُ مِنْ كَفِّهَا حَلَاوَةَ عُمْرٍ.
وَهُنَا… كَانَتْ أُمُّهَا تُرَتِّبُ شَعْرَهَا،
وَتَضُمُّهَا إِلَى صَدْرِهَا قَبْلَ النَّوْمِ،
فَتَهْدَأُ الدُّنْيَا فِي عَيْنَيْهَا،
وَيَسْكُنُ قَلْبُ الْأُمِّ عَلَى نَبْضِهَا.
وَهُنَا… كَانَ إِخْوَانُهَا حَوْلَهَا،
تَضِجُّ الْغُرَفُ بِمَزَاحِهِمْ وَخُطَاهَا،
فَإِذَا ضَحِكَتْ… ضَحِكَ الْبَيْتُ كُلُّهُ،
وَإِذَا سَكَتَتْ… أَصْغَى الْجِدَارُ لِصَمْتِهَا.
وَهُنَا كِتَابُهَا… وَهُنَا مُصْحَفُهَا،
وَهُنَا أَحْلَامٌ كَبُرَتْ مَعَ الْأَيَّامْ،
وَهُنَا خُطَاهَا الصُّغْرَى فِي أَرْجَاءِ دَارِنَا،
وَهُنَا صَدَى صَوْتٍ يُرَتِّلُ فِي الظَّلَامْ.
وَقَفَتِ الْأُمُّ وَالْأَبُ فِي جَانِبٍ،
يَتَأَمَّلَانِ بَقَايَا ذِكْرَى غَائِبَةْ:
«هُنَا كَانَتْ تَنَامُ… هُنَا ابْتِسَامَةُ عُمْرِنَا،
وَهُنَا رَسَمَتْ لِلْحَيَاةِ بَدَايَةْ.
هُنَا كَانَتْ وَرْدَتُنَا… وَهُنَا عِطْرُهَا،
وَهُنَا تَعَلَّمَ الْقَلْبُ مَعْنَى الْحَنَانْ.
وَمَا رَحَلَتْ… وَإِنْ تَبَدَّلَ مَسْكَنٌ،
فَالْحُبُّ بَيْنَ الْقَلْبَيْنِ لَيْسَ لَهُ مَكَانْ.»
تَرَكَتْ بُسْتَانَ الْأَبُوَّةِ لِبُسْتَانِهَا،
لِتَسْكُنَ فِي عُشِّ الزَّوَاجِ وَتُزْهِرْ،
رَحَلَتْ… وَتَرَكَتْ فِي الْقُلُوبِ دُعَاءَنَا،
أَنْ يَحْفَظَ اللهُ «مَيًّا» وَ«مُهَنَّدًا» مَدَى الْعُمُرْ.
إِلَهَنَا… يَا مَنْ إِلَيْهِ قُلُوبُنَا،
تَرْجُو رَحَابَكَ، وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالْأَمَلْ،
بَارِكْ لَهُمَا فِي عُمْرِهِمَا وَحُبِّهِمَا،
وَاجْعَلْ لَهُمَا فِي دَرْبِهِمَا خَيْرَ السُّبُلْ.
وَاحْفَظْ «مَيًّا» فِي عَيْنِ «مُهَنَّدٍ» نِعْمَةً،
وَاحْفَظْ «مُهَنَّدًا» لَهَا سَنَدًا وَظِلّْ،
وَاجْعَلْ بَيْتَهُمَا سَكِينَةَ مُؤْمِنَيْنِ،
وَامْلَأْهُ مَوَدَّةً، وَرَحْمَةً، وَفَرَحْ.
وَارْزُقْهُمَا مِنْ فَضْلِكَ ذُرِّيَّةً صَالِحَةً،
تَأْتِي كَفَجْرٍ بَعْدَ لَيْلٍ مِنْ أَمَلْ.
وَإِنْ بَعُدَتْ خُطَاهَا عَنْ بُسْتَانِنَا،
فَاجْعَلْ لَهَا فِي قَلْبِنَا دَارًا وَوَطَنْ،
وَاجْعَلْ بُسْتَانَيْنَا بُسْتَانَ مَحَبَّةٍ،
لَا يَقْطَعُ الْوُدَّ فِيهِ بُعْدٌ وَلَا زَمَنْ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ وَرْدَتَنَا فِي بُسْتَانِهَا،
وَاسْقِهَا مِنْ نَدَى رَحْمَتِكَ كُلَّ صَبَاحْ،
وَاجْعَلْ لَهَا فِي كُلِّ خُطْوَةٍ بَرَكَةً،
وَفِي كُلِّ لَيْلٍ أَمْنَ قَلْبٍ وَارْتِيَاحْ.
وَإِذَا رَفَعْنَا لَكَ الْأَكُفَّ دُعَاءَنَا،
فَاقْبَلْ رَجَاءَ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْإِخْوَانْ،
وَاجْمَعْ لَنَا فِي كُلِّ لِقَاءٍ فَرْحَةً،
وَاحْفَظْ لَنَا الْحُبَّ الَّذِي لَا يُسْتَهَانْ.
رَبَّاهُ… هَذِهِ وَرْدَتُنَا قَدْ أَزْهَرَتْ،
فَاجْعَلْ لَهَا فِي كُلِّ بُسْتَانٍ أَمَانْ،
وَاحْفَظْ «مَيًّا» وَ«مُهَنَّدًا» مَا بَقِيَا،
وَاجْعَلْ لَهُمَا عُمْرًا مِنَ الْخَيْرِ لَا يَفْنَى،
وَاجْعَلْ خِتَامَ الْحُبِّ بَيْنَهُمَا رِضًا…
وَسَعَادَةً… وَسَلَامًا… وَجَنَّةً وَرِضْوَانْ.
آمِينَ… يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.



