رئيس التحريرسلايدر
تطورٌ لافتٌ في الأداء.. الجامعة العربية تستدعي ممثلي كولومبيا.. هل التالي استدعاء سفراء الدول العشر المارقة؟!

رئيس التحرير يكتب
في خطوةٍ دبلوماسية تستحق التقدير، تنتقل جامعة الدول العربية من الإدانة إلى التحرك العملي، داعيةً الدول العربية والإسلامية إلى استدعاء السفراء الكولومبيين للاحتجاج رسميًّا على افتتاح كولومبيا سفارةً لها في القدس المحتلة؛ تنفيذًا لقرار مجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين.
مصر تنفذ القرار.. والتحرك العربي يتواصل
في هذا السياق، استدعت مصر القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة يوم 16 أكتوبر 2026، لتكون أول من يضع القرار العربي موضع التنفيذ الفعلي.
كما شاركت مصر في بيان مشترك ضم 19 دولة عربية وإسلامية، أدان افتتاح السفارة الكولومبية وطالب بالتراجع عن القرار. وشملت الدول الموقعة الأردن والجزائر وجيبوتي والسعودية والسودان وسوريا والصومال وسلطنة عُمان وفلسطين وقطر والكويت ولبنان وليبيا واليمن، إلى جانب إندونيسيا وباكستان وتركيا وماليزيا.

ويبرز هنا الفرق بين المشاركة في الإدانة السياسية والتنفيذ الفعلي للاستدعاء الدبلوماسي؛ إذ تظل مصر الدولة التي تأكد تنفيذها لهذا الإجراء وفق المعلومات المتاحة، بينما يحتاج تحديد بقية الدول المنفذة إلى توثيق رسمي لكل حالة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تكون كولومبيا بداية تحرك دبلوماسي عربي أوسع، أم تظل الاستجابة محصورة في هذه الواقعة؟
الجامعة العربية تتحرك.. والمطلوب استكمال المسار
إن أهمية الخطوة العربية لا تكمن في تجديد الرفض السياسي فحسب، بل في تحويل الموقف المعلن إلى إجراءات دبلوماسية واضحة، تحمي المكانة القانونية والتاريخية للقدس، وتؤكد أن تغيير وضعها من طرف واحد لا يصنع شرعية، ولا يمحو حقوق الشعب الفلسطيني.
وقد أدانت الجامعة العربية افتتاح السفارة الكولومبية، مؤكدةً أن القدس الشرقية جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وأنها عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة، مستندةً إلى قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرارا مجلس الأمن 476 و478 لعام 1980، والقرار 2334 لعام 2016.
ومن ثم، فإن الإشادة بالقرار العربي لا تعني الاكتفاء به؛ بل تعني المطالبة باستكماله ومتابعة تنفيذه، حتى لا تتحول القرارات الجماعية إلى بيانات تنتهي صلاحيتها بانتهاء يوم صدورها.
من كولومبيا إلى الدول العشر.. هل تتسع دائرة الاستدعاء؟
أصبحت كولومبيا، بافتتاح سفارتها في القدس يوم 14 أكتوبر 2026، الدولة العاشرة التي تقيم بعثة دبلوماسية لها في المدينة، وفق تقارير إخبارية حديثة. وتضم قائمة الدول التسع التي سبقتها: الولايات المتحدة، وغواتيمالا، وهندوراس، وباراغواي، وفيجي، وبابوا غينيا الجديدة، وسوماليلاند، وكوسوفو، وناورو.
وهنا تتقدم المطالبة السياسية بوضوح: إذا كان القرار العربي قد دعا إلى استدعاء ممثلي كولومبيا، فلماذا لا يُفتح ملف الدول التسع الأخرى، وتُراجع مواقفها وإجراءاتها، وتُبحث سبل مساءلتها دبلوماسيًّا؟
إن المطلوب ليس ردّ فعل عابرًا، بل مسار عربي مؤسسي متدرج، يبدأ بتوحيد الاحتجاجات الرسمية، ويمتد إلى تحركات قانونية ودبلوماسية منسقة، مع وضع العلاقات الثنائية موضع مراجعة وفقًا لمقتضيات القانون الدولي والمصلحة العربية والفلسطينية.
وماذا عن السفير الأمريكي؟
لا يمكن تناول قضية نقل السفارات إلى القدس من دون التوقف عند الولايات المتحدة، التي دشنت هذا المسار بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس عام 2018، خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب.
فهل يمتد التحرك العربي إلى مساءلة سياسية ودبلوماسية أوسع عن السابقة الأمريكية، التي شجعت دولًا أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة؟
إن اتساق الموقف العربي يقتضي ألا تتحول الإجراءات إلى استثناء يُطبَّق على دولة، ويُتجاهل أمام دولة أخرى. والمطلوب بحث أدوات التحرك المتاحة تجاه جميع الدول المعنية، بما فيها الاحتجاجات الرسمية، والتحرك في الأمم المتحدة، وتنسيق المواقف الثنائية والجماعية، من دون ازدواجية في المعايير أو انتقائية في الدفاع عن القدس.
نحو آلية متابعة دائمة
إن هذا التحرك الجماعي (19 دولة) يمثل أرضيةً يمكن البناء عليها؛ فالقضية لا تخص دولةً عربية بمفردها، بل تتصل بحقوق الشعب الفلسطيني، وبمكانة القدس، وباحترام قرارات دولية رفضت تغيير وضع المدينة بالقوة أو بالإجراءات الأحادية.
والخطوة التالية التي تستحق النقاش هي إنشاء آلية متابعة عربية وإسلامية ترصد تنفيذ قرارات الاستدعاء، وتحدد الدول التي استجابت، وتدرس الإجراءات الممكنة تجاه الدول التي نقلت سفاراتها أو أعلنت نقلها، وتعرض نتائجها على اجتماعات الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
القدس ليست عنوانًا على لافتة سفارة
إن نقل السفارة لا يغيّر وحده الوضع القانوني للقدس، كما أن تكرار الخطوة لا يمنحها شرعية. فالحقوق لا تسقط بتتابع القرارات الأحادية، والاحتلال لا يتحول إلى سيادة معترف بها بمجرد نقل البعثات الدبلوماسية.
لقد أظهرت الخطوة العربية الأخيرة أن ثمة مجالًا للانتقال من بيانات الرفض إلى إجراءات عملية. ويبقى التحدي في الحفاظ على زخم هذا التحرك، وتوسيع نطاقه، وتطبيق المعايير نفسها على جميع الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي دشنت مسار نقل السفارات إلى القدس.
فهل تكون كولومبيا بدايةً لمرحلة جديدة من التحرك العربي المنظم، وصولًا إلى مساءلة الدول العشر، ومراجعة المواقف تجاه واشنطن، دفاعًا عن القدس وحقوق الشعب الفلسطيني؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي: أن تتحول وحدة الموقف إلى وحدة فعل، وأن تصبح الدبلوماسية العربية أداةً لحماية الحقوق، لا مجرد سجلٍّ للبيانات والإدانات.



