حِينَ يُصَافِحُ الغِيَابُ ظِلَّ الحَنِين
فِي مَقَامِ الفَقْدِ… تُرَتَّلُ أَرْوَاحُ العَاشِقِينَ

شعر: أشرف أبو عريف
يَا لَيْلُ، هَلْ خَبَّأْتَ فِي صَدْرِكَ اسْمِي؟
أَمْ ضَاعَ بَيْنَ نُجُومِكَ التَّائِهَاتِ؟
كُنْتُ أَظُنُّ القَلْبَ مَأْوًى دَافِئًا،
فَإِذَا بِهِ رِيحٌ… تُبَعْثِرُ النَّبَضَاتِ.
هِيَ لَمْ تَكُنْ حُبًّا… وَلَكِنْ غَفْلَةٌ،
مَرَّتْ كَطَيْفٍ بَيْنَ بَعْضِ سُبَاتٍ،
تَرَكَتْ عَلَى شَفَتَيَّ سُؤَالًا مُرًّا،
وَسَكَبَتْ فِي عَيْنَيَّ أَلْفَ شَتَاتٍ.
أَنَا الَّذِي عَلَّقَ قَلْبَهُ بَيْنَ سَمَاءَيْنِ،
سَمَاءٍ تُنَادِينِي… وَأُخْرَى لَا تُجِيبُ،
وَمَشَيْتُ نَحْوَكِ كَأَنَّنِي وَعْدُ الغَدِ،
فَعُدْتُ وَحْدِي… وَالزَّمَانُ غَرِيبُ.
يَا مَنْ رَحَلْتِ… وَلَمْ تُوَدِّعِي الهَوَى،
كَيْفَ اسْتَطَعْتِ الهَدْمَ فِي لَحَظَاتِ؟
كَيْفَ انْطَفَأْتِ… وَكُنْتِ شَمْسَ حِكَايَتِي،
وَغَرِقْتِ فِي صَمْتٍ بِلَا إِشَارَاتِ؟
أَأَنَا الَّذِي بَالَغْتُ فِيكِ حِكَايَةً؟
أَمْ كُنْتِ أَنْتِ بَدَايَةَ النِّهَايَاتِ؟
كُنْتِ الصَّلَاةَ… وَكُنْتُ فِيهَا خَاشِعًا،
أُخْفِي الرَّجَاءَ… وَيَكْشِفُنِي التَّرْتِيلُ،
حَتَّى إِذَا اكْتَمَلَتْ مَلَامِحُ سَجْدَتِي،
كَسَرْتِ قَلْبِي… وَاسْتَبَحْتِ القَنْدِيلَ.
قَدْ كُنْتُ أَكْتُبُكِ القَصِيدَةَ كُلَّهَا،
حَرْفًا فَحَرْفًا… دُونَ أَيِّ ثَبَاتٍ،
حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ دَفَاتِرُ وَجْدِي،
مَزَّقْتِنِي… كَقَصِيدَةٍ مَاتَتْ.
يَا مَنْ سَكَنْتِ الرُّوحَ دُونَ اسْتِئْذَانٍ،
وَغَادَرْتِهَا… كَأَنَّهَا لَمْ تَسْكُنِ،
هَلْ كَانَ ذَنْبِي أَنَّنِي صَدَّقْتُكِ؟
أَمْ أَنَّنِي… أَحْبَبْتُ حَدَّ الجُنُونِ؟
عَلَّمْتِنِي أَنَّ الحَنِينُ خِيَانَةٌ،
وَأَنَّ بَعْضَ الحُبِّ مَحْضُ شَتَاتٍ،
وَأَنَّ مَنْ يَمْنَحْ فُؤَادَهُ كَامِلًا،
يَمْضِي… وَيُدْفَنُ فِي بَقَايَا الذَّاتِ.
عَلَّمْتِنِي أَنَّ القُلُوبَ إِذَا رَأَتْ
وَهْمَ الأَمَانِ… تُصَفِّقُ لِلسَّرَابِ،
وَأَنَّ بَعْضَ الوَصْلِ مَوْتٌ بَطِيءٌ،
وَأَنَّ بَعْضَ العِشْقِ… بَابٌ لِلْعَذَابِ.
يَا امْرَأَةً… كَانَتْ تَفَاصِيلُهَا
تُشْبِهُ الدُّعَاءَ إِذَا تَسَاقَطَ فِي المَطَرِ،
كَيْفَ انْقَلَبْتِ فَجْأَةً نَارًا…
وَأَحْرَقْتِ فِي صَدْرِي الشَّجَرَ؟
كُنْتُ أَرَاكِ… وَطَنًا بِلَا مَنْفًى،
وَكُنْتِ تَرَيْنَ القَلْبَ… مُجَرَّدَ عَابِرٍ،
فَإِذَا الحِكَايَةُ بَيْنَنَا مُخْتَصَرَةٌ:
أَنَا الَّذِي أَغْرَقَ… وَأَنْتِ السَّاحِلُ الآخِرُ.
لَكِنَّنِي، رَغْمَ الرَّمَادِ بِدَاخِلِي،
مَا زِلْتُ أَكْتُبُكِ… بِكُلِّ ثَبَاتٍ،
فَالجُرْحُ إِنْ طَالَ الزَّمَانُ شِفَاؤُهُ،
يَبْقَى… كَوَشْمٍ فِي عُمْقِ الذِّكْرَيَاتِ.
لَكِنَّنِي… حِينَ انْتَهَى كُلُّ شَيْءٍ،
لَمْ أَنْتَهِ… بَلْ بَدَأْتُ أُعِيدُنِي،
جَمَعْتُ مِنْ شَظَايَايَ مَلَامِحِي،
وَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَحَدًا… سَيُهِينُنِي.
فَأَنَا الَّذِي، مِنْ بَعْدِكِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ
النُّورَ يُولَدُ مِنْ أَشَدِّ الظُّلُمَاتِ،
وَأَنَّ مَنْ يَنْجُو مِنَ الحُبِّ مَكْسُورًا…
يَخْرُجُ أَقْوَى… وَأَصْدَقَ الثَّبَاتِ.
فَامْضِي… فَقَلْبِي لَمْ يَعُدْ مُتَسَوِّلًا،
لِلْحُبِّ، أَوْ لِلْوَصْلِ، أَوْ لِلْآهَاتِ،
يَكْفِيهِ أَنِّي، بَعْدَكِ، اكْتَشَفْتُنِي…
وَأَفَقْتُ مِنْ وَهْمِي… إِلَى نَجَاتِي.
فَاذْهَبِي… لَا شَيْءَ بَعْدَكِ يُغْوِينِي،
وَلَا الحَنِينُ… وَلَا بَقَايَا الذِّكْرَيَاتِ،
يَكْفِينِي أَنَّنِي… حِينَ خَسِرْتُكِ،
رَبِحْتُ نَفْسِي… وَنَجَوْتُ مِنَ الشَّتَاتِ.



