إقتصادسلايدر

أوزبكستان ومنغوليا: حوار قائم على الجذور التاريخية والمصالح الاستراتيجية

Listen to this article

أشرف أبو عريف

يعتزم رئيس جمهورية أوزبكستان، شوكت ميرضيائيف، القيام بزيارة دولة إلى منغوليا خلال يومي 24 و25 يونيو 2025، في خطوة تُعد صفحة جديدة في تاريخ العلاقات الثنائية المتنامية بين البلدين.

تعود العلاقات الدبلوماسية بين أوزبكستان ومنغوليا إلى 25 يناير 1992، ومنذ ذلك الحين شهد الحوار الثنائي تطورًا مطردًا، تجلّى في تعزيز أواصر الصداقة، وتوسيع مجالات التعاون، وترسيخ التفاهم السياسي المبني على الاحترام المتبادل وعدم التدخل والانفتاح الاستراتيجي.

🏛️ الأسس السياسية والدبلوماسية

خلال العقود الماضية، حافظت العلاقات بين أوزبكستان ومنغوليا على استقرارها، مدفوعة بالاحترام المتبادل للسيادة والمساواة، وخالية من التناقضات السياسية.
شهدت السنوات الأخيرة تكثيفًا ملحوظًا في الحوار السياسي، حيث شارك رئيس منغوليا أوخنااغين خوريليسوخ في قمة منظمة شنغهاي للتعاون بمدينة سمرقند في عام 2022، كما التقى مع الرئيس ميرضيائيف على هامش مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في دبي في ديسمبر 2023.

وكانت الزيارة الرسمية الأولى التي قام بها رئيس منغوليا إلى أوزبكستان في الفترة من 23 إلى 26 يونيو 2024 محطة فارقة، حيث أسفرت عن توقيع بيان مشترك بشأن العلاقات الثنائية، إلى جانب 14 وثيقة تعاون حكومي ومؤسسي.

وقال الرئيس ميرضيائيف بهذه المناسبة:

“منغوليا شريك تقليدي وموثوق لنا في منطقة آسيا. العلاقات الأوزبكية–المنغولية قائمة على مبادئ الصداقة والاحترام المتبادل والدعم، وهي مستقلة عن التوجهات الظرفية.”

تمهد هذه الأسس الطريق لتوسيع التعاون على مستويات متعددة، بدءًا من الحكومات والبرلمانات وصولاً إلى الوزارات والمؤسسات، بما يسهم في توطيد أوجه التقارب وفتح آفاق جديدة للتعاون.

🤝 الأطر المؤسسية والتمثيل الدبلوماسي

أنشأت البرلمانات في البلدين مجموعات صداقة نشطة، تسهم في تبادل الزيارات وبناء تفاهم برلماني مثمر. كما تعمل آليات التعاون بين الوزارات بفعالية، حيث تم عقد سبع جولات من المشاورات السياسية بين وزارتي الخارجية، كان آخرها في أولان باتور بتاريخ 7 مايو 2024.

وفي 24 يونيو 2024، شهدت طشقند افتتاح سفارة منغوليا في أوزبكستان، بينما تواصل السفارة الأوزبكية في بكين مهامها كممثل معتمد لدى منغوليا. وتمثل هذه البعثات قناة أساسية في ترتيب الزيارات، والتنسيق السياسي، وتحضير الاتفاقات الثنائية.

🌐 التعاون متعدد الأطراف والدعم الدولي المتبادل

يدعم البلدان بعضهما البعض بانتظام في المحافل الدولية، مثل الأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومنظمة الدول التركية (التي تتمتع فيها منغوليا بوضع مراقب)، فضلًا عن الحوار بين آسيا وأوروبا (ASEM).

وقد دعمت منغوليا مبادرات أوزبكستان في مجالات التنمية المستدامة والاستقرار الإقليمي، بينما تساند طشقند جهود أولان باتور في تطوير الطاقة المستدامة وحماية البيئة وأنظمة المراعي والسهوب.

💼 آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري

رغم أن التعاون الاقتصادي لم يبلغ بعد طاقته القصوى، فإن كلا البلدين يعبران عن رغبة قوية في تطويره. ويشهد التبادل التجاري نموًا سنويًا بنسبة 30%، مع وجود 17 مشروعًا مشتركًا في أوزبكستان، منها 12 مملوكة بالكامل لرأس مال منغولي، تعمل أغلبها في مجالات التجارة والخدمات.

ومن بين المبادرات الجديدة:

  • فتح بيوت تجارية مشتركة في البلدين
  • إقامة معارض صناعية في طشقند وأولان باتور
  • التحضير لاتفاق تجارة تفضيلية
  • السعي إلى مضاعفة حجم التبادل التجاري عشر مرات، كما أعلنه الرئيس ميرضيائيف خلال لقائه برجال الأعمال في يونيو 2024

كما شاركت وفود منغولية في منتدى طشقند الدولي للاستثمار وغيره من الفعاليات الاقتصادية في أوزبكستان.

🎭 التعاون الثقافي والإنساني: الجذور الممتدة في عمق التاريخ

يرتكز التعاون الثقافي بين البلدين على إرث حضاري مشترك يعود إلى العصور القديمة في سهوب أوراسيا، حيث تفاعلت الشعوب التركية والمنغولية عبر قرون من التبادل الثقافي والاجتماعي.

تشترك الحضارتان في نمط الحياة البدوية، والهياكل الاجتماعية، والعناصر اللغوية والأسطورية، والاحترام العميق للتقاليد والطبيعة.

وقد تبادلت إمبراطوريات الهون والمغول والتيموريين إرثًا مشتركًا من الثقافة الإدارية والدبلوماسية والفنون والاستراتيجيات العسكرية.
وتمتلك منغوليا أرشيفًا غنيًا من المخطوطات حول شعوب آسيا الوسطى، تمثل موردًا هامًا لمراكز البحوث الأوزبكية.

من الأمثلة العملية على التعاون:

  • زيارة علمية لمؤسسة “جلال الدين منكبرتي” إلى منغوليا في أكتوبر 2023 لتوثيق نقوش الأورخون-ينيسي، التي تُعد من جذور اللغة التركية
  • تنظيم فعاليات ثقافية مشتركة، منها:
    • حفل موسيقي في طشقند جمع الأوركسترا الأوزبكية والأوركسترا المنغولية “مورين خور”
    • مشاركة منغولية في منتدى المقام الدولي بطشقند
    • تقديم التراث الأوزبكي في قاعة الفيلهارمونية في منغوليا (نوفمبر 2024)

ويتواصل كذلك التعاون في مجالات السياحة، المتاحف، الترميم، والتعليم، إلى جانب تبادل الطلاب وتطوير دراسات اللغة والتاريخ والثقافة في المراكز الأكاديمية لكلا البلدين.

🧭 خاتمة: شراكة نحو المستقبل

يمكن القول إن العلاقات بين أوزبكستان ومنغوليا تقوم على أسس متينة من الاحترام والثقة والمصالح المشتركة. كلا البلدين يبرهنان على التزام صادق بتعزيز التعاون الثنائي وتوسيع نطاقه ليشمل أبعادًا إقليمية ودولية.

من خلال بناء علاقات اقتصادية وإنسانية أكثر فاعلية، تمتلك أوزبكستان ومنغوليا فرصة فريدة لتحويل شراكتهما إلى نموذج للتعاون المستدام في قلب آسيا.

وتأتي زيارة الدولة المرتقبة للرئيس شوكت ميرضيائيف إلى منغوليا بمثابة دَفعة قوية لهذه المسيرة، وافتتاح فصل جديد من علاقات الصداقة والتنمية بين شعبي البلدين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى