
بقلم: السفير جمال بيومى
الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب
في خطوة غير مسبوقة منذ تدشين العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل في أعقاب معاهدة كامب ديفيد عام 1979، تشير المعطيات إلى أن القاهرة تتعمّد تأخير اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد أوري روثمان، دون إصدار بيان رسمي أو توضيح علني. ورغم أن هذا الصمت قد يبدو بروتوكولياً، إلا أنه يحمل في طياته رسالة سياسية واضحة ومفادها: العلاقات في مرحلة من البرود غير المسبوق.
تصعيد صامت… بلاغة الموقف دون الحاجة للكلمات
ليس من عادة مصر استخدام أساليب الضجيج السياسي في ملفاتها الحساسة، وخصوصاً تلك المتعلقة بالعلاقات مع إسرائيل. لكن التأخير المقصود لاعتماد السفير الإسرائيلي الجديد، مع غياب أي توضيح رسمي، يُعد بمثابة “فيتو صامت” يعكس رفضاً سياسياً مبطناً دون إعلان قطيعة مباشرة.
تاريخياً، لطالما احتفظت القاهرة بعلاقات مستقرة -وإن كانت فاترة– مع تل أبيب، انطلاقاً من التزاماتها الدولية، وحرصها على لعب دور الوسيط الإقليمي المحوري، لا سيما في ملف القضية الفلسطينية. غير أن تسارع الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة بعد 7 أكتوبر 2023، وتحديها للوساطات المصرية، أدّى إلى تآكل الرصيد الدبلوماسي بين الطرفين، وخلق شعوراً متنامياً لدى القاهرة بأن سياسات إسرائيل تُقوّض الأمن الإقليمي، بما في ذلك الأمن القومي المصري في سيناء.
رسائل مزدوجة: خفض التمثيل دون إعلان، وغياب الرد دون رفض
اللافت في الأمر أن مصر لم تطلب اعتماد سفير جديد لها لدى إسرائيل، بعد عودة سفيرها خالد عزمي في أكتوبر 2024، ما يؤكد –كما صرّح السفير جمال بيومي– أن هناك خفضاً غير معلن في مستوى العلاقات الدبلوماسية، يتم دون بيانات تصعيدية أو قرارات رسمية، ولكن برسائل يفهمها الإسرائيليون جيداً.
مثل هذا السلوك ليس غريباً على الدبلوماسية المصرية، التي لطالما استخدمت “أدوات الصمت” كوسيلة ضغط ناعمة، خاصة عندما يتعلّق الأمر بإيصال إشارات عدم الرضا، دون التورط في تصريحات قد تعقّد الحسابات أو تُقيد حركة الوساطة لاحقًا.
ما وراء المراوغة: مصر وإعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل
ما نشهده اليوم ليس مجرد “تأخير بيروقراطي” في اعتماد سفير، بل هو تعبير رمزي عن تحوّل نوعي في الموقف المصري. إذ يبدو أن القاهرة تعيد تقييم العلاقة مع تل أبيب وفق مبدأ المصالح الوطنية الصلبة لا التزامات السلام الرمزية، خاصة بعد أن باتت مصر تدفع –سياسياً وشعبياً وأمنياً– كلفة السلوك الإسرائيلي في غزة.
كما يأتي هذا التغير في سياق إقليمي أوسع، حيث تشهد علاقات إسرائيل بالعديد من الدول العربية تراجعاً حاداً نتيجة العدوان المستمر على الفلسطينيين، وسط دعوات متزايدة في الداخل العربي إلى إعادة النظر في التطبيع. وبالتالي، فإن الموقف المصري يُفهم أيضاً كجزء من إعادة اصطفاف إقليمي تتفاعل فيه الجغرافيا مع الأخلاق السياسية.
خاتمة: مرحلة جديدة من الدبلوماسية الحازمة
لا تحتاج الدولة التي أسّست لسلام هشّ إلى صراخ كي تعبّر عن غضبها، ولا إلى بيانات نارية لتُعلن موقفها. يكفي أن تُغلق أبوابها بهدوء أمام سفير جديد، وأن تترك مقعدها في تل أبيب شاغراً، حتى تفهم تل أبيب الرسالة.
إنها دبلوماسية بلا تصريحات، وتصعيد بلا صدام، وغضب مؤسسي محسوب… عنوانه: مصر غير راضية، فافهموا الرسالة.



