الاستثمارات العربية أم الحروب؟

أبكت صورة الطفل السوري إيلان ذي الثلاث سنوات الذي مات غرقا قبالة سواحل تركيا ملايين البشر حول العالم، وأيقظت جثته وهو يرقد على الشاطئ كثيرا من الضمائر التي تناست قضية اللاجئين رغم وفاة عشرات السوريين قبله في رحلات الموت بحثا عن الحياة، ورغم مقتل آلاف العرب في الحروب العبثية التي تشهدها المنطقة حاليا والتي تذكرنا بفترة أمراء الطوائف الذين قضوا على الدولة الأموية في الأندلس بانشغالهم في حروب عبثية مع بعضهم البعض وتناسوا أن بقاءهم هناك مرهون بقدرتهم على احتواء خلافاتهم مهما كبر حجمها.
مأساة الطفل إيلان حركت مشاعر الجميع حول العالم وبدأنا نرى تحركات أكبر على مستوى الاتحاد الأوروبي وعلى مستوى الأفراد الذين عرضوا استضافة عائلات سورية وهو مشهد يذكّرنا – نحن العربَ والمسلمين – بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وبتعاليم ديننا الحنيف الذي لا فرق فيه بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى كما يذكرنا أيضا بذلك العربي الذي عاش في العصر الجاهلي والذي يفرح أيما فرحٍ بإكرام الضيف وكان يوقد النار ليلا حتى يستدلّ إليه كل عابر سبيل. أما نحن فأصبحنا مشغولين بإيقاد نيران الحرب وإذكاء روح الكراهية لأنفسنا قبل غيرنا.
بين هذه المشاهد كلها نرى أن مأساة الطفل إيلان قد تتكرر إن لم نجد حلا جذريا لمشاكلنا العربية التي يُعتبر الإخفاقُ الاقتصادي العربي أحدَ أبرز أسبابها، فثورات «الربيع العربي» كانت أسبابها اقتصادية بحتة قبل أن يستولي عليها أصحاب المآرب السياسية؛ دولاً وأحزاباً وأفراداً لتتحول من مطالبات بتحسين مستوى المعيشة وتوفير مجالات وفرص العمل إلى أهواء سياسية دفع إيلانُ وشقيقه وأمه وغيرهم من الأبرياء والمدنيين ثمنها إما على اليابسة أو في أعماق البحار.
عندما نفكّر في وضعنا العربي لا نجد أسبابا مقنعة تسوّغ ما نشهده من حروب واختلافات، ففي الوقت الذي تتجه فيه الدول الأخرى إلى التكتلات الإقليمية لتقوية اقتصاداتها نجدنا نتجه إلى الحرب بدلا من السلم وإلى التعنّت بدلا من الحوار وإلى الأنانية المفرطة بدلا من حب الآخرين واحتواء الاختلاف معهم، نسينا «منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى» ونسينا أن المنطقة العربية تمتلك إمكانيات هائلة لتشكل قوة اقتصادية كبرى تنافس أكبر ثلاثة اقتصادات عالمية.
هناك العديد من التحديات الاقتصادية التي تواجه الدول العربية في مقدمتها ازدياد أعداد الباحثين عن عمل وتشير التقارير إلى أن معدل الباحثين عن عمل يزيد على 17% وهو ثلاثة أضعاف المعدل العالمي، ومن المتوقع ارتفاعه بشكل حاد إن لم نجد حلا للنزاعات التي تشهدها المنطقة حاليا، كما أن ضعف التجارة البينية ومحدودية الاستثمار العربي – العربي وتوجه أغلب الاستثمارات العربية إلى الخارج، واستمرار الخلافات العربية، كلها عوامل تحد من قدرة الاقتصادات العربية على النمو.
إن حل مشاكلنا العربية يكمن في التعليم، وتقوية الاقتصاد، وزيادة حجم الاستثمارات، وجعل المنطقة العربية جاذبة للاستثمارات، ونشر سياسة السلام والتسامح، ونبذ الحقد والكراهية، وهو أمر ليس بعيد المنال إذا توفرت له الإرادة السياسية المؤمنة بالتكامل الاقتصادي العربي والداعمة له.



