
بقلم: بسيونى محمد
رغم الجهود الأمنية المكثفة، والتشديدات المرورية المستمرة، لا تزال حوادث الطرق تحصد مئات الأرواح سنويًا، لتتحوّل إلى واحدة من أخطر القضايا التي تهدد الأمن المجتمعي في مصر. ومع تكرار المآسي، يبرز السؤال الجوهري: هل المسؤولية تقع فقط على عاتق وزارة الداخلية؟ أم أن هناك أطرافًا أخرى تتقاسم هذا العبء؟
في الواقع، تحميل وزارة الداخلية وحدها مسؤولية ضبط سلوك السائقين على الطرق هو تبسيط مخل لطبيعة المشكلة. فالطرق ليست مجرد ممرات مرورية، بل هي انعكاس مباشر لحالة المجتمع: وعيه، التزامه، أخلاقه، وثقافته. وبالتالي، فإن التعامل مع أزمة الحوادث يجب أن يكون تشاركيًا وتكامليًا، يشمل مؤسسات الدولة كافة.
التربية والتعليم.. البداية الحقيقية
منظومة التربية والتعليم مطالَبة اليوم بأن تعيد صياغة فلسفتها التربوية، لا لتلقين المناهج فقط، بل لغرس السلوكيات الأخلاقية والمهارات المجتمعية منذ المراحل الأولى من التعليم. احترام القانون، تقدير قيمة الحياة، الالتزام بالضوابط العامة، كلها قيم لا تُزرع فجأة في قلب السائق عند استلامه الرخصة، بل تُبنى منذ الصغر.
فهل من المنطقي أن يتخرج الطالب دون أن يتلقى حصة واحدة عن أخلاقيات القيادة أو الإسعافات الأولية أو أضرار السرعة؟ هنا يتضح أن الفجوة التربوية هي أحد جذور أزمة الطرق في مصر.
الأوقاف.. والخطاب الديني الغائب
المنابر الدينية، وعلى رأسها وزارة الأوقاف، تلعب دورًا جوهريًا في التوجيه المجتمعي، غير أن الخطاب الديني السائد لا يزال بعيدًا في أغلب الأحيان عن قضايا الناس اليومية.
القتل الخطأ، تعاطي المخدرات، التهور في القيادة، الاستهانة بأرواح الآخرين – كلها موضوعات يمكن إدراجها تحت إطار “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، بل وتندرج ضمن مقاصد الشريعة في حفظ النفس. ومن ثم، يجب أن تُخصّص خُطب الجمعة ودروس المساجد للحديث عن خطورة السلوكيات الخاطئة على الطرق باعتبارها ذنوبًا لا تقل خطرًا عن الكبائر، لما فيها من إزهاق لأرواح معصومة.
الإعلام.. بين الإثارة والتقويم
لا يمكن إغفال دور الإعلام، المرئي والمسموع والمقروء، في تشكيل وعي المواطن. إلا أن كثيرًا من التغطيات تكتفي بنقل صور الحادث وضحاياه، دون الغوص في الأسباب أو تحميل المسؤولية. بل قد تتحوّل بعض الأعمال الدرامية إلى منصات تطبيع مع السلوك الإجرامي على الطرق، من سباقات غير مشروعة ومطاردات وهمية، دون تقديم نماذج إيجابية للسائق الواعي والمسؤول.
تشريعات رادعة أم ثقافة وعي؟
صحيح أن غياب الردع القانوني يمثل أحد دوافع التهور، إذ أن كثيرًا من السائقين يعلمون أن أقصى ما يمكن أن يتعرضوا له هو “غرامة مالية” أو “حبس بسيط” في حالات القتل الخطأ، وهو ما لا يتناسب أبدًا مع حجم الكارثة. لكن، الردع وحده لا يكفي.
ما لم يتحول احترام القانون إلى قناعة داخلية نابعة من ضمير حي، فستبقى القوانين حبرًا على ورق. وهذا ما يؤكد أن المعالجة لا يجب أن تقتصر على البعد الأمني، بل تشمل منظومة من القيم الاجتماعية والتعليمية والدينية والإعلامية.
نحو حل جذري.. رؤية تكاملية
إن الحل الجذري لحوادث الطرق في مصر يتطلب تحولًا في الرؤية من المعالجة الأمنية إلى الإصلاح المجتمعي الشامل، من خلال:
- إدراج مبادئ السلامة المرورية في المناهج التعليمية.
- تحديث الخطاب الديني ليتناول قضايا مجتمعية آنية، وعلى رأسها القتل الخطأ وتعاطي المخدرات.
- إطلاق حملات إعلامية وطنية تُبرز النماذج الإيجابية وتكافح سلوكيات الاستهتار.
- تشديد العقوبات القانونية المرتبطة بقيادة تحت تأثير المخدرات، وربط تجديد الرخص بالفحص الدوري الإلزامي.
- تحقيق العدالة للضحايا من خلال إلزام الجناة بتعويضات مالية للدولة والأسر.
خاتمة
الطرق في مصر لا تحتاج فقط إلى إعادة رصف أو مراقبة بالرادار، بل إلى إعادة بناء الإنسان الذي يسير عليها. فحين تتحول القيادة إلى مسؤولية، والقانون إلى التزام، والضبط إلى قناعة، فقط آنذاك نستطيع أن نوقف نزيف الأسفلت ونحمي أبناءنا من الموت المجاني.



