رأىسلايدر

المولد النبوي.. إشراق النور في زمن الجاهلية الحديثة!

Listen to this article

بقلم: د. داود زرين پور

في ذكرى المولد النبوي الشريف، تتجدد معاني النور والرحمة في زمنٍ يثقل كاهل الإنسانية بظلمات الحروب والتعصب والجور. فمولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن حدثاً عابراً في التاريخ، بل نقطة تحوّل كبرى أخرجت البشرية من ركام الجاهلية الأولى إلى فضاء جديد من العدالة والرحمة والتسامح.

لقد جسّد الرسول الكريم بأقواله وأفعاله أعظم رسالة أخلاقية عرفها التاريخ. فكان رحمةً للفقراء، وعطفاً للأيتام، وحناناً للأطفال، وعدلاً للنساء، وأمناً حتى لخصومه. لم يسعَ إلى مجد شخصي أو سلطة عابرة، بل إلى بناء مجتمع متماسك أساسه الأخوة الإنسانية والتكافل. جمع بين الأوس والخزرج بعد عداوة طويلة، وأجلس سلمان وبلال وصهيب إلى جوار سادة قريش، وأرسى قاعدة خالدة: «إنما المؤمنون إخوة».

لكن العالم اليوم، بعد خمسة عشر قرناً، يعيش جاهلية جديدة. جاهلية الحروب التي تلتهم أرواح الأبرياء، والأنظمة الجائرة التي تدهس الإنسان، والاستهلاك المفرط الذي يحوّل البشر إلى أرقام بلا قيمة. مشاهد غزة – أطفال يُقتلون، ونساء يُهجّرن، وبيوت تُهدم – تختصر مأساة هذه الجاهلية الحديثة، وتصرخ في وجداننا أن رسالته لم تزل حيّة، وأن حاجتنا إلى نوره أشد من أي وقت مضى.

فالاحتفال بالمولد النبوي ليس طقساً عاطفياً أو مدائح شعرية وحسب، بل هو تجديد للعهد مع رسالته: أن نحمل مشعل النور، ونقاوم الجاهلية الجديدة، ونبني مجتمعات يسودها التسامح والعدل واحترام الإنسان لكونه إنساناً.

لقد علّمنا النبي أن القوة الحقيقية تكمن في الرحمة، وأن الغلبة تُقاس بقدرة القائد على كسب القلوب لا إذلال الخصوم. واليوم، وبينما تتقاذف العالم رياح الكراهية والانقسام، يبقى صوته يتردّد: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه».

إنّ ميلاده الشريف سيبقى إشراقة أبدية، نستلهم منها الطريق كلما أظلمت الدنيا، ونستضيء بها في مواجهة جاهلية العصر. ولعلّ أصدق وفاء لهذه الذكرى أن نكون جديرين بحمل أمانة الرحمة التي بعث بها، وأن نجعل من ذكراه حياةً متجددة في الضمائر، ونوراً هادياً للأمم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى