رأىسلايدر

“ترامب وموردوخ: نهاية تحالفٍ إعلامي في زمن الفضائح والانقسامات”

Listen to this article

بقلم: حذامي محجوب

لم يكن أحد يتوقع أن تصل العلاقة بين دونالد ترامب وروبرت موردوخ إلى حافة الانفجار، بعد سنوات من التحالف المتين الذي جمع بين السياسي المثير للجدل وقطب الإعلام المحافظ. فقد لعب موردوخ دورًا محوريًا في صعود ترامب، مدعومًا بتغطية واسعة من مؤسساته الإعلامية، وعلى رأسها “فوكس نيوز” و”نيويورك بوست”، اللتين أسهمتا في تشكيل صورته كرجل الأعمال الجريء والسياسي الخارج عن المألوف.

لكن شرارة الخلاف انفجرت عقب نشر صحيفة “وول ستريت جورنال” — إحدى أبرز مؤسسات موردوخ — تحقيقًا في 17 يوليو الجاري، يكشف عن صلة مزعومة بين ترامب والمتحرّش الجنسي الراحل جيفري إبستين. التحقيق استند إلى ألبوم يعود لعام 2003 أُعد بمناسبة عيد ميلاد إبستين الخمسين، ويتضمّن رسمة وُصفت بالفاضحة يُزعم أن ترامب وقّعها بطلب من غيسلين ماكسويل، التي حُكم عليها لاحقًا بالسجن في قضايا استغلال قاصرات. وذُيّلت الرسمة برسالة من ترامب تقول: “عيد ميلاد سعيد. ليكن كل يوم سرًّا جميلاً آخر”.

سارع ترامب إلى نفي أي علاقة له بالرسمة، وشنّ هجومًا عنيفًا على الصحيفة، متهمًا إياها بـ”فبركة القصة” ووصفها بـ”الخرقة القذرة”. كما حاول الضغط شخصيًا على موردوخ للتراجع عن النشر، لكن المؤسسة تمسّكت بموقفها، مؤكدة دقة التحقيق واستقلالية خطها التحريري. وردًا على ذلك، رفع ترامب دعوى قضائية أمام محكمة في فلوريدا، طالب فيها بتعويض ضخم يبلغ عشرة مليارات دولار، معتبرًا أن المقال ألحق به ضررًا بالغًا وسعى إلى تشويه سمعته.

لكن هذا التصعيد القضائي ليس مجرد رد فعل غاضب، بل يعكس خللًا أعمق في العلاقة بين السلطة والإعلام داخل التيار المحافظ نفسه. “وول ستريت جورنال”، التي كانت تُعد صوتًا لصيقًا بالمحافظين والبيت الأبيض الجمهوري، بدأت تتخذ في السنوات الأخيرة مواقف أكثر استقلالية، بل ونقدًا حادًا لترامب. ففي افتتاحية نُشرت في فبراير الماضي، وصفت الصحيفة سياسات ترامب التجارية تجاه الصين وكندا والمكسيك بأنها “أغبى حرب تجارية في التاريخ” — في تحول لافت عن لهجة الدعم السابقة.

يرى محللون أن موردوخ، رغم ميوله المحافظة، يدير مؤسساته الإعلامية بمنطق براغماتي يسمح بمساحة من النقد المهني دون التخلي عن التأثير السياسي. هذا التوازن الهش بين المصالح الإعلامية والسياسية هو ما بدأ بالاهتزاز مع تزايد فضائح ترامب وتراجع شعبيته في بعض الأوساط.

يُذكر أن العلاقة بين الطرفين لم تكن خالية من الشروخ. ففي ليلة الانتخابات الرئاسية عام 2020، أثارت “فوكس نيوز” غضب ترامب عندما كانت أول وسيلة إعلامية تعلن فوز جو بايدن بولاية أريزونا، في خطوة اعتبرها أنصاره “طعنة في الظهر”. كما واجهت الشبكة ضغوطًا إضافية بعد تسوية مالية ضخمة مع شركة “دومينيون” بقيمة 787 مليون دولار، بسبب نشر مزاعم غير صحيحة حول تزوير الانتخابات.

ورغم أن معظم الدعاوى من هذا النوع لا تنتهي بمحاكمات فعلية، إلا أن شخصية ترامب الصدامية تجعل احتمال التراجع ضعيفًا. وفي المقابل، يبدو أن موردوخ اختار خوض هذه المواجهة وفقًا لقواعده الخاصة، مدعومًا بتاريخ طويل من الدفاع عن استقلالية مؤسساته وسعيه لحماية مصداقيته التحريرية.

في المحصلة، لا يتمحور الخلاف الراهن حول رسم أو عبارة قديمة، بل حول الصراع الأعمق على من يملك السردية في “أمريكا ما بعد الحقيقة”، حيث يتحوّل الحليف إلى خصم حين تُكتب الحقيقة دون تجميل، ويغدو الإعلام — حتى المحافظ منه — ساحة لتصفية الحسابات لا مجرد وسيلة دعم سياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى