
رئيس التحرير يكتب
في مشهد اقتصادي يتسم بالتحولات المتسارعة، يكشف تقرير مركز البحوث الاقتصادية والإصلاحات Center for Economic Research and Reforms (CERR) لعام 2025 عن صورة متوازنة لمناخ الأعمال في أوزبكستان، حيث ظل المؤشر في المنطقة الإيجابية بمتوسط سنوي بلغ 57 نقطة على مقياس يتراوح بين -100 و+100، مسجلاً ارتفاعًا بنسبة 7% مقارنة بعام 2024.
ويأتي هذا الأداء الإيجابي — وفق قراءة تحليلية للمعطيات — بفضل السياسات الحكيمة للرئيس شوكت ميرضيائيف، التي ركزت خلال السنوات الأخيرة على الإصلاحات الهيكلية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز الانفتاح الاقتصادي، ودعم القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو.
أولاً: ديناميات المؤشر المركب – تحسن في الواقع وحذر في التوقعات
أبرز ما يكشفه التقرير هو أن التحسن جاء مدفوعًا بتقييمات أفضل للظروف الحالية، إذ ارتفع مؤشر الأوضاع الراهنة بنسبة 22% ليصل إلى 47 نقطة. ويعكس ذلك تحسنًا ملموسًا في بيئة الأعمال الفعلية، سواء من حيث الإنتاج أو الطلب أو استقرار العمليات التشغيلية.
في المقابل، تراجع مؤشر التوقعات بشكل طفيف من 68 إلى 66 نقطة، لكنه بقي عند مستوى مرتفع نسبيًا. هذا التباين بين تحسن الواقع وشيء من الحذر تجاه المستقبل يشير إلى نضج في قراءة الشركات للمشهد الاقتصادي، خاصة في ظل تقلبات الأسواق الإقليمية والعالمية.
شهد العام تذبذبًا موسميًا؛ إذ بلغ المؤشر ذروته في يونيو عند 63 نقطة، بينما سجل أدنى مستوياته في يناير بـ52 نقطة. ومع نهاية ديسمبر، استقر المؤشر عند 58 نقطة، بزيادة نقطتين عن نهاية 2024، ما يعكس استمرار المزاج الإيجابي في أوساط مجتمع الأعمال.
ثانيًا: قراءة قطاعية – الخدمات في الصدارة والزراعة على ثباتها
قطاعيًا، توزعت مكاسب التحسن على معظم الأنشطة الاقتصادية:
- الخدمات: 58 نقطة (+14.7%)
- الإنشاءات: 57 نقطة (+14.2%)
- الصناعة: 54 نقطة (+6.8%)
- الزراعة: 56 نقطة (استقرار شبه كامل)
يلاحظ أن قطاع الخدمات كان المحرك الرئيسي للنمو، وهو ما يعكس توسع الأنشطة المرتبطة بالاستهلاك الداخلي والتجارة والخدمات الرقمية. أما الزراعة، فرغم ثبات المؤشر، فإن استقراره عند مستوى إيجابي يدل على رسوخ التقييمات السابقة دون تراجع.
ثالثًا: البعد الإقليمي – صعود لافت في الأقاليم
إقليميًا، ارتفع متوسط المؤشر في 11 إقليمًا، وبلغ 57 نقطة في سبعة أقاليم. وسُجلت أبرز التحسينات في:
- قشقداريا: +27%
- جيزاخ: +23%
- خوارزم: +17%
- جمهورية قره قلپاقستان: +19%
أما سمرقند فحافظت على مستوى إيجابي (51 نقطة) رغم تراجع طفيف، بينما بقي مؤشر إقليم طشقند عند 44 نقطة دون تغيير، ما يعكس تفاوتًا في زخم النمو بين المركز والأقاليم.
رابعًا: توقعات الأسعار والطلب – تفاؤل محسوب
من اللافت أن التوقعات التضخمية بقيت معتدلة؛ إذ توقع 23% فقط من الشركات ارتفاع الأسعار، بانخفاض نقطتين مئويتين عن 2024. وتراوحت التوقعات بين 18% و27% خلال العام، مع ذروة في أبريل وأدنى مستويات في سبتمبر وديسمبر.
في المقابل، ظل التفاؤل بشأن الطلب قويًا؛ حيث توقع 66% من رواد الأعمال زيادة الطلب، فيما خطط 57% لتوسيع القوى العاملة، ما يعكس ثقة مستمرة في ديناميكية السوق المحلية.
خامسًا: التشغيل والطلب – مؤشرات داعمة للنمو
- مؤشر التوظيف: 43 نقطة (+12%)
- مؤشر الطلب: 48 نقطة (+13%)
سجل قطاع الإنشاءات أعلى نمو في التوظيف (+17%)، تلاه الخدمات (+14%)، ثم الزراعة (+11%)، فالصناعة (+7%). أما الطلب، فكان قطاع الخدمات أيضًا الأكثر مساهمة في تحسنه (+19%).
تعكس هذه الأرقام بيئة أعمال تتسم بالاستقرار النسبي مع توسع تدريجي في فرص العمل.
سادسًا: تراجع المعوقات – التمويل يظل التحدي الأكبر
أفاد 60% من رواد الأعمال بعدم مواجهتهم صعوبات تُذكر، بزيادة 6% عن العام السابق، ما يدل على تحسن بيئة ممارسة الأعمال.
تراجعت مشكلات الكهرباء والضرائب والتمويل في الصناعة، كما انخفضت عوائق التمويل في الزراعة والإنشاءات. ومع ذلك، يظل الوصول إلى التمويل التحدي الأبرز، خاصة في قطاعي الصناعة والإنشاءات (11% من المستجيبين في كل قطاع).
والخلاصة…
يعكس تقرير 2025 انتقال مناخ الأعمال في أوزبكستان من مرحلة التعافي إلى مرحلة الترسيخ والاستقرار الحذر. فبين تحسن المؤشرات الراهنة واستمرار التوقعات الإيجابية، تتشكل بيئة اقتصادية أكثر نضجًا، تدرك فرص النمو لكنها تتهيأ كذلك لمخاطر التقلبات.
إن استمرار تراجع المعوقات، وتحسن مؤشرات الطلب والتوظيف، يشيران إلى اقتصاد يسير بخطى ثابتة نحو تعزيز جاذبيته الاستثمارية، في ظل رؤية إصلاحية تقودها القيادة السياسية، وترتكز على تحديث التشريعات، وتوسيع الشراكات الدولية، وتعميق التحول نحو اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.



