
رئيس التحرير يكتب
يُعدّ موسم الحج من أعظم الشعائر الدينية التي يجتمع فيها المسلمون من أرجاء المعمورة، لأداء ركن الإسلام الخامس، في مشهدٍ روحاني مهيب تتجلّى فيه وحدة الأمة الإسلامية وتآزرها.
ويأتي حج هذا العام 1446هـ / 2025م في ظل تسارع التحوّلات العالمية وتصاعد التحديات الإقليمية، ليُثبت من جديد أن بيت الله الحرام سيظل منارةً للسلام، ومهوىً للأرواح المؤمنة، ومقصدًا تتجدد فيه معاني الطهارة، والتجرد، والخضوع لله.
وقد سخّرت المملكة العربية السعودية – كعادتها – طاقاتها البشرية والتقنية كافة لخدمة ضيوف الرحمن، مكرّسةً أعلى معايير الأمن والسلامة، والرعاية الصحية، والتيسير الخدمي، لضمان أداء المناسك في أجواء مطمئنة وآمنة.
وفي هذا الموسم المبارك، تتجسد معاني التضامن الإسلامي، وتتعانق أرواح المؤمنين على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، في لحظةٍ يتلاشى فيها الفارق بين الغني والفقير، والعربي والأعجمي، تحت النداء الخالد: “لبيك اللهم لبيك”.
“طريق الحج المصري”.. ذاكرة الروح وقافلة الحضارة نحو العالمية
في قلب الصحراء الممتدة من القاهرة حتى مكة المكرمة، كان “طريق الحج المصري” ينسج خيوط التاريخ والروح، عابرًا الجغرافيا ومجسّدًا التقاء الدين والثقافة والحضارة.
واليوم، يطرق هذا الطريق العريق أبواب منظمة اليونسكو، طامحًا إلى أن يُدرج في قائمة التراث العالمي، بما يحمله من إرث مادي ومعنوي يعكس دور مصر المحوري في تاريخ الأمة الإسلامية.
ويُعد هذا الطريق واحدًا من سبعة مسارات رئيسية للحج والتجارة في العالم الإسلامي، إلى جانب الطرق الكوفي، البصري، الشامي، اليمني، والعُماني. ولم يكن مقتصرًا على المصريين فحسب، بل سلكه حجاج المغرب العربي والأندلس وغرب إفريقيا منذ فجر الإسلام، ليغدو شاهدًا حيًا على وحدة الأمة وتنوعها.
من الدرب إلى الوثيقة.. الطريق عبر العصور
قسّم المؤرخون هذا الطريق إلى أربع مراحل تاريخية:
- المرحلة الأولى: منذ الفتح الإسلامي حتى منتصف القرن الخامس الهجري، عبر مسارين: بري وساحلي.
- المرحلة الثانية (443–666هـ): اعتماد طريق عيذاب البحري عبر النيل والبحر الأحمر.
- المرحلة الثالثة (667–1301هـ): العودة إلى الطريق البري الساحلي.
- المرحلة الرابعة (منذ 1301هـ): تراجع استخدام الطريق البري لصالح الموانئ البحرية، خاصة من السويس.
أثر الروح في الجغرافيا.. ومحطات لا تُنسى
يُقسّم الدكتور محمد حمزة الحداد الطريق إلى ثلاث مراحل مكانية:
- من بركة الحاج (المرج حاليًا) إلى عجرود
- من عجرود إلى نخل وسط سيناء
- من نخل إلى أيلة (العقبة اليوم)
وكانت كل مرحلة تُقطع في نحو ثلاثة أيام، بمجموع تسعة حتى العقبة، لتُستكمل الرحلة بمحاذاة البحر الأحمر نحو مكة، مرورًا بمدن مثل حقل، مدين، ينبع، بدر، ورابغ.
ولم تكن القوافل وحدها، بل رافقتها قوات حماية، وفرسان من القبائل العربية، وما زال نقش السلطان الغوري في “عراقيب البغلة” شاهدًا على اهتمام الدولة بطريق الحج.
روافد مغاربية.. قوافل من أعماق الغرب الإسلامي
يشير الدكتور عبد الرحيم ريحان إلى أن أوائل الحجاج المغاربة استخدموا طريق قوص – عيذاب، حيث كانوا ينطلقون من مدن شمال إفريقيا والصحراء الكبرى، ويتلاقون جميعًا عند بركة الحاج شرق القاهرة.
ويؤكد الدكتور سامي البياضي أن الطريق أُدرج على القائمة التمهيدية للتراث العالمي عام 2015، ضمن تعاون مصري–سعودي ثقافي غير مسبوق.
وقد حملت القوافل أسماءً تعبّر عن تنوعها:
“ركب الحاج الصالحي”، “الفاسي”، “الشنقيطي”، “الطرابلسي”، “الولاتي”، “التونسي”، و”الجزائري”، في مشهد يوثق تلاقي الشرق والغرب الإسلامي على درب الإيمان.
من المقريزي إلى اليونسكو.. سردية لا تموت
وثّق المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه “الخطط” دور مصر في خدمة الحجيج، مؤكدًا أن قوافل الغرب الإفريقي كانت تعبر البحر أو تتخذ الساحل البري حتى الإسكندرية، ثم تتجه إلى القاهرة، لتلتحم بالقافلة المصرية وتنطلق نحو الحرمين الشريفين.
نحو الاعتراف العالمي بالإرث الإسلامي المشترك
إن السعي إلى تسجيل طريق الحج المصري في قائمة اليونسكو لا يهدف فقط إلى حفظ الأثر، بل يحمل أبعادًا سياسية وثقافية عميقة؛ فهو تأكيد على دور مصر كجسر حضاري بين القارات، وتجسيد لقيمة الحج كأكبر تظاهرة إسلامية عابرة للحدود.
كما أن التعاون مع السعودية في هذا الملف يمثّل نموذجًا حيًا لما يمكن أن تحققه الدبلوماسية الثقافية في إعادة الاعتبار للهوية الإسلامية على الساحة الدولية.



