
بقلم: ناهد إمام
رغم مرور 69 عامًا على قرار تأميم قناة السويس، إلا أن هذه الذكرى لا تزال تحمل في طياتها من الدروس والعبر ما يستحق أن يُروى للأجيال، ولا سيّما شبابنا الذين لم يعيشوا تفاصيل تلك الحقبة الفارقة من تاريخ مصر الحديث.
ولعل من الضروري، قبل الغوص في تلك الدروس، توضيح الحقائق التي يُراد أحيانًا طمسها أو خلطها عن عمد، في محاولة لتقزيم أهمية هذا الممر الملاحي العالمي الفريد.
فالمقارنة بين قناة السويس وقناة بنما ليست في محلها على الإطلاق. فبينما تقتصر قناة بنما على الربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وتخدم أساسًا قارة أمريكا، فإن قناة السويس تمثل الشريان الملاحي الحيوي الذي يربط الشرق بالغرب، وتُعدّ طريقًا استراتيجيًا للتجارة الدولية بين أوروبا وآسيا وسائر أنحاء العالم.
الموقع الجغرافي الفريد للقناة، الذي يربط بين البحر المتوسط عند بورسعيد والبحر الأحمر عند السويس، منحها هذه الأهمية الاستراتيجية، وجعلها مطمعًا للقوى الدولية منذ لحظة افتتاحها.
ولولا قرار الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956 بتأميم القناة واسترداد إدارتها لصالح الدولة المصرية، لظلت مواردها تصب في جيوب المحتلين، بينما يُحرم الشعب المصري من حقه المشروع في ثرواته.
تشير الإحصاءات الرسمية، بحسب تصريحات الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، إلى أن أكثر من 1.1 مليون سفينة عبرت القناة منذ التأميم، محققة عوائد تجاوزت 153 مليار دولار. هذه الأرقام وحدها كافية لتُظهر حجم المكاسب التي كانت ستُهدر لو بقيت القناة في أيدي الإدارة الأجنبية.
قرار التأميم كان أكثر من مجرد قرار سيادي؛ كان ملحمة وطنية أكدت على قدرة الإنسان المصري على إدارة مقدراته، رغم التحديات، ورغماً عن المؤامرات.
من اللافت أن شركة قناة السويس الفرنسية البريطانية المشتركة سعت في عام 1910 لتمديد امتياز القناة لأربعين عامًا إضافية – من 1968 حتى 2008 – بحجة تضاعف حركة الملاحة، وسعيًا لتعظيم أرباحها. ووافقت حكومة “بطرس غالي باشا” حينها في سرية تامة، لولا يقظة الشعب، الذي حال دون تمرير ذلك المخطط.
ولأن لكل قرار سيادي تبعاته، جاء الإعلان التاريخي في ميدان المنشية بالإسكندرية، حيث دوّى صوت عبد الناصر بإعلان التأميم، وهزّ العالم بأسره. فتم تحويل الشركة الأجنبية إلى شركة مساهمة مصرية، وانتقلت الإدارة بالكامل إلى السيادة المصرية، بعد طرد كافة الفنيين والمرشدين الأجانب دفعة واحدة، في محاولة فاشلة لإظهار عجز الكوادر المصرية.
لكن المصريين أثبتوا – وبالوقائع – أنهم على قدر المسؤولية. لم تتوقف الملاحة، ولم تُغلق القناة، بل عبرت القوافل بسواعد وخبرة المصريين، في درس خالد عن التخطيط المسبق والاستعداد للسيناريوهات الصعبة.
ولم تكتفِ الدولة المصرية بالحفاظ على القناة، بل استمرت في تطويرها. فجاء قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي في 5 أغسطس 2014 بإطلاق مشروع حفر قناة موازية، لزيادة الطاقة الاستيعابية، وتقليص زمن العبور، وتعزيز الأمن الملاحي. وتم افتتاحها في 6 أغسطس 2015، في خطوة استراتيجية لرؤية مصرية طموحة تواكب التغيرات العالمية.
لكن الغرب لم يكن ليسمح بمرور قرار التأميم دون ردّ. فجاء العدوان الثلاثي الغاشم من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعد أشهر فقط من قرار التأميم، في محاولة لكسر إرادة المصريين، لكنهم فشلوا مجددًا. أُغلقت القناة مؤقتًا، ثم أعيد افتتاحها في 1957، ثم أُغلقت مرة أخرى لاحقًا، حتى أعاد الرئيس أنور السادات افتتاحها في 5 يونيو 1975 بعد نصر أكتوبر المجيد، لتظل القناة تعمل تحت راية مصر حتى اليوم.
فيا شباب مصر، إن تأميم قناة السويس لم يكن فقط قرارًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل كان إعلانًا تاريخيًا لإرادة شعب لا يقبل التفريط في حقه، شعب يعي جيدًا قيمة موقعه وثرواته، ويضحي بالغالي والنفيس من أجل الحفاظ عليها.
أليس من حق أبنائنا أن يعرفوا هذه الحقيقة، ويتعلموا أن السيادة لا تُوهب بل تُنتزع، وأن مصر لا تُدار إلا بأيدي أبنائها؟



