رأىسلايدر

محمد السادس.. حين يتكلّم الوطن بصوت الأمل والكرامة

Listen to this article

✍️ بقلم: حذامي محجوب

لم يكن ظهور الملك محمد السادس تحت قبة البرلمان أمس مجرّد افتتاحٍ للسنة التشريعية الجديدة، بل كان لحظةً تستعيد فيها الدولة المغربية روحها العميقة: روح العمل والإنجاز، والإخلاص للوطن فوق كل اعتبار.
لقد بدا الخطاب كنداءٍ مفعمٍ بالأمل ومسؤوليةٍ تلامس الضمير الجمعي، يذكّر الجميع بأن الأوطان لا تُبنى بالتصفيق، بل بعرق الجباه وسواعد المخلصين.

وقف الملك إلى جانب وليّ العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد، في مشهدٍ يختزل تواصل الأجيال واستمرار الرسالة. تحدث بهدوءٍ الواثق، وبصرامة الأب الذي يعرف أبناءه جيدًا، ويطالبهم بأن يكونوا في مستوى الحلم المغربي الكبير. لم تكن كلماته موجهة إلى السياسيين فحسب، بل إلى كل مواطنٍ يؤمن بأن البناء مسؤولية الجميع، وأن الرهان هو الوطن نفسه.

أكد الملك أن المرحلة المقبلة هي مرحلة الفعل لا القول، وأن زمن الشعارات والوعود ولى بلا رجعة. فالإنجاز هو اللغة الوحيدة التي تفهمها الشعوب، والعمل الملموس هو ما يمنح الثقة معناها الحقيقي. دعوةٌ صريحة إلى تجاوز المصالح الضيقة، لأن الزمن لا ينتظر، والوطن لا ينهض إلا بسواعد أبنائه.

وفي حديثه عن العدالة الاجتماعية والمجالية، كشف الملك عن رؤيةٍ إنسانيةٍ متجذّرةٍ في وجدانٍ وطنيٍ صادق، تُعيد الاعتبار لكل مناطق المغرب، من المدن الكبرى إلى القرى البعيدة والجبال والواحات. لم يتحدث من برجٍ عالٍ، بل من قلب الوطن النابض؛ يرى احتياجاته، ويحسّ بمعاناته. فالعدالة هنا ليست شعارًا سياسيًا، بل جوهر مشروع دولةٍ تضع الإنسان في قلب التنمية.

ولعلّ أعمق رسائل الخطاب كانت دعوته لتغيير العقليات قبل النصوص، ولترسيخ “ثقافة النتائج” بدل “ثقافة التبرير”. إنها دعوة لإدارةٍ عموميةٍ حديثة، تُقاس بالكفاءة لا بالكلام، وتُدار بالضمير لا بالمصالح. فالثقة لا تُمنح إلا لمن يستحقها، والمسؤولية شرفٌ قبل أن تكون وظيفة.

كان الخطاب في جوهره بيانًا أخلاقيًا أكثر منه سياسيًا، لأن الملك حين قال: «كونوا في مستوى الثقة والأمانة»، لم يكن يخاطب مؤسساتٍ جامدة، بل ضمير الوطن الحيّ. إنها دعوة لإحياء القيم التي صاغت هوية المغرب: الوفاء، الجدّ، والكرامة.

وفي الختام، رسم الملك ملامح مغربٍ جديد: مغرب الفعل لا الشعارات، مغرب العدالة لا الفوارق، مغرب الإنسان قبل الأرقام. رؤيةٌ تنبض بالعزم على أن يكون الوطن في المكانة التي يستحقها بين الأمم، ما دام الأمل مشتعلاً، والإخلاص بوصلةً لا تخطئ الطريق.

فبكلماتٍ قليلة، أعاد الملك محمد السادس تعريف القيادة في زمن التحولات: أن تكون قائدًا يعني أن تُشعل شمعة وسط العتمة، وأن تزرع في النفوس يقينًا لا يخبو بأن الغد أجمل، ما دام للوطن من يؤمن به ويعمل لأجله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى