من نواكشوط إلى بكين: ستة عقود من الشراكة الموريتانية–الصينية في طريقها نحو التحول الأخضر والتكامل الإقليمي

رئيس التحرير يكتب
في الذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية وجمهورية الصين الشعبية، بدا واضحًا من خلال المقابلة الحصرية التي أجرتها كبريات وسائل الإعلام الصينية الرسمية مع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، أن نواكشوط تسير بخطى واثقة نحو ترسيخ نموذج فريد في العلاقات الإفريقية–الصينية، يقوم على الندية، والتكامل، والتخطيط طويل الأمد.
ويأتي هذا التوجه في سياق عالمي يشهد تحولات جيوسياسية وطاقية متسارعة، حيث تبرز الصين كلاعب محوري في منظومة الجنوب العالمي، بينما تطرح موريتانيا نفسها كـ”حليف استراتيجي متزن” قادر على التكيّف والتقدم.
1. شراكة سياسية راسخة ونهج دبلوماسي متوازن
أكد الرئيس الغزواني أن العلاقات بين البلدين تستند إلى قاعدة صلبة من الاحترام المتبادل والتنسيق الدولي والإقليمي المشترك، مشيرًا إلى “حد التطابق” في المواقف الدولية، خاصة في ما يتعلق بقضايا العالم النامي. ومن خلال لقائه المتكرر بالرئيس شي جين بينغ، لمس الغزواني جدية الصين في دعم الدول الإفريقية ليس فقط اقتصاديًا، بل سياسيًا أيضًا، ضمن إطار من الشفافية والعدل في العلاقات الدولية.
2. اقتصاد قائم على الشراكة لا التبعية
بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2024 حوالي 2.41 مليار دولار أمريكي، بزيادة بلغت 7.59٪ مقارنة بالعام السابق، ما أتاح لموريتانيا تحقيق فائض تجاري بلغ 330 مليون دولار، نتيجة استحواذ الصين على نحو 70% من صادرات الحديد الموريتاني.
وقد تجسدت الثقة الصينية في الاقتصاد الموريتاني من خلال توقيع اتفاقية تمويل تنموي بقيمة 200 مليون يوان (1.1 مليار أوقية جديدة) في أبريل 2025، وهو ما يؤكد تحوّل الصين من شريك تقليدي إلى مستثمر تنموي طويل الأجل.
3. تحول طاقوي واستعداد للتكنولوجيا النظيفة
بدا لافتًا تأكيد الرئيس الغزواني على التزام بلاده بتحول طاقوي مستدام، معوّلًا على الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، وهي مجالات ترى فيها الصين فرصًا استثمارية ضخمة لنقل التكنولوجيا وتعزيز التصدير الطاقي في القارة الإفريقية. ويبدو أن موريتانيا مؤهلة لأن تتحول إلى منصة إقليمية رائدة في هذا المجال، إذا ما استثمرت بكين بذكاء في البنية التحتية الطاقوية الموريتانية.
4. رؤية شينخوا: شهادة صينية على نجاح نواكشوط
في هذا السياق، جاءت مقالة السيد جلال شين وسي يوان، مدير مكتب وكالة شينخوا بالقاهرة، لتضفي مزيدًا من العمق على التقدير الصيني المتزايد للنهج الموريتاني. فقد أشاد الكاتب برؤية الرئيس الغزواني الواقعية والبناءة، معتبرًا أن موريتانيا باتت تمثل نموذجًا إفريقيًا رائدًا في تفعيل مبادرة “الحزام والطريق” بصورة مرنة وفعّالة.
وأشار المقال إلى أن نواكشوط لا تتعامل مع الصين على أساس الاحتياج الطارئ، بل على قاعدة شراكة استراتيجية متكاملة تستفيد من الموقع الجغرافي، والاستقرار السياسي، والانفتاح الاستثماري، والموارد الطبيعية غير المستغلة بالكامل.
كما أشار المقال إلى أن موريتانيا تتقدّم بثبات لتصبح جسرًا بين الصين وشمال إفريقيا ودول الساحل، خصوصًا في ظل توجهها للعب دور أكبر في القمة الصينية–العربية المقبلة.
5. الامتداد الثقافي ودور الشباب
دعا الرئيس الغزواني شباب البلدين إلى التسلّح بالمعرفة والانخراط في برامج التبادل الثقافي واللغوي، مؤكدًا أن التعليم هو السبيل الأهم لترسيخ العلاقات طويلة الأمد. ويعكس هذا التوجه وعيًا بأهمية الدبلوماسية الناعمة في صياغة العلاقات الثنائية، وتكوين جيل جديد من الموريتانيين يفكر ويعمل بعقلية عالمية منفتحة.
6. موريتانيا والصين ضمن الشراكة العربية–الصينية
أعرب الرئيس الغزواني عن دعم موريتانيا الكامل لنجاح القمة الصينية–العربية القادمة، مشيرًا إلى أن بلاده تضع تطوير العلاقة بين العالم العربي وبكين على رأس أولوياتها الاستراتيجية، خاصة في ظل تطابق المصالح الاقتصادية والتكنولوجية، وضرورة إصلاح الحوكمة المالية العالمية لضمان نظام أكثر عدلًا وإنصافًا.

وختاماً:
من خلال دمج تصريحات الرئيس الغزواني ومقال شينخوا، يتبيّن أن العلاقات الموريتانية–الصينية تجاوزت منطق “المشاريع” إلى أفق “الشراكة الكاملة”، القائمة على الموازنة بين الاحتياجات الوطنية والمصالح الصينية العالمية.
نواكشوط اليوم لا تبحث عن دعم ظرفي، بل تبني لنفسها موقعًا على خارطة القرن الحادي والعشرين، في قلب التحولات الإفريقية–الآسيوية، من خلال رؤية تعتمد على السيادة الاقتصادية، والاستثمار في الشباب، والطاقة النظيفة، والانفتاح الذكي على الصين.



