رئيس التحريرسلايدر

وَفَاءُ النِّيلِ… شَوْقٌ وَحَنِينٌ

Listen to this article

شعر: أشرف أبو عريف

مُنْذُ البَدْءِ…
تَجِيءُ كَعَاشِقٍ يَحْمِلُ الشَّوْقَ فِي كَفَّيْهِ،
تَرْكُضُ نَحْوَ المَحْبُوبَةِ…
تَمْلَأُ خَصْرَ الأَرْضِ طَمْيًا وَحَيَاةً،
وَتُلْقِحُ رَحِمَ التُّرْبَةِ بِعِشْقِكَ الأَبَدِيِّ.
تَسْكُبُ فِي جَسَدِهَا النَّبْضَ،
فَتَثْمُرُ المَانَجُو حَلاَوَةً،
وَيَفُوحُ فِي التَّنُّورِ طَعْمُ الخُبْزِ الأَوَّلِ،
كَأَنَّهُ القُبْلَةُ الأُولَى بَيْنَ نَهْرٍ وَثَرَى.
ثُمَّ قَامَ الجِدَارُ…
شَادُوا السَّدَّ العَالِيَ فِي خَاصِرَةِ الوَصْلِ،
حَاجِزًا بَيْنَ قَلْبِكَ وَحَضْنِ الحَبِيبَةِ.
مَنَعُوا الطَّمْيَ أَنْ يَمَسَّ جَسَدَهَا،
عَزَلُوا الخُصُوبَةَ عَنْ لَهَفَاتِ العِنَاقِ.
فَصَارَ المَاءُ يَعْبُرُ نَحْوَهَا بَارِدًا…
بِلاَ شَهْوَةِ الطِّينِ،
بِلاَ حَرَارَةِ المِيلاَدِ.
وَاليَوْمَ… فِي التَّاسِعِ مِنْ مَسْرَى،
تَشْتَكِي الأَرْضُ الجَفَافَ رَغْمَ غَزَارَةِ المَاءِ،
تَشْتَهِي ذَاكَ التَّلْقِيحَ القَدِيمَ،
تَحِنُّ لِطَعْمِ الثِّمَارِ الَّتِي كَانَتْ تُبْتَكَرُ مِنْ لَمْسَتِكَ.
السَّدُّ حَظَرَ الفَيَضَانَ…
لَكِنَّهُ سَرَقَ الشَّهْدَ مِنْ شَفَاهِ الشَّجَرِ،
وَأَبْقَى النِّيلَ عَاشِقًا مَحْرُومًا،
يَعْبُرُ ضِفَافَهُ… كَطَيْفٍ لاَ يُمِلُّ الوَفَاءَ،
وَيَبْكِي طَمْيَهُ المَسْجُونَ خَلْفَ السَّدِّ.
وَفِي آبَ… فِي عِيدِكَ الأَزَلِيِّ،
تَقِفُ المَؤُونَةُ فِي ذِكْرَى المِيعَادِ،
تَدُقُّ أَبْوَابَ الأَرْضِ كَلَيْلَةِ الفَيَضَانِ،
تَقُولُ لَهَا: “أَنَا المَاضِي… أَنَا الوَفَاءُ الَّذِي لاَ يَمُوتُ”.
تَبْكِي عَلَى الأَعْتَابِ حِرْمَانَكَ،
فَتَهْتَزُّ أَعْمَاقُ التُّرْبَةِ شَوْقًا،
تُنَادِيكَ مِنْ خَلْفِ الحِجَارَةِ:
“تَعَالَ… وَلَوْ بِمَاءٍ بِلاَ طَمْيٍ،
فَفِي أَنْفَاسِكَ عِطْرُ العِشْقِ،
وَفِي وَفَائِكَ… حَيَاتُنَا!”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى