
دبلوماسى يكتب
رغم موقف قيادة الثورة السورية الذي يتسم بمهادنة تامة تجاه إسرائيل، وتجاهل تام لقضية الجولان المحتل منذ انطلاقها، وكأنها توافق ضمنيًا على استمرار الاحتلال أو حتى ضمه إلى الدولة العبرية كأمر واقع، فإن كل ذلك لم يمنع إسرائيل، وبضوء أخضر أمريكي، من شنّ ضربات عسكرية موجعة على العاصمة السورية دمشق.
اللقاءات والاتصالات التي يُشاع أنها جارية بين مسؤولين عسكريين سوريين وإسرائيليين، والتي يُفترض أنها تهدف إلى تحييد إسرائيل عن التدخل في الشأن السوري، لم تثنِ تل أبيب عن التصعيد، بل يبدو أنها استُغلت كذريعة للمزيد من التوغل. لا زيارات أحمد الشرع للخليج، ولا مصافحته الحارة مع ترامب، أفلحت في كبح جماح آلة الحرب الإسرائيلية.
الذريعة المعلنة هذه المرة: حماية دروز سوريا. لكن الواقع يُظهر أن الضربات الإسرائيلية تستهدف قلب القرار في دمشق: هيئة الأركان، المباني الحكومية، والبنية العسكرية للنظام.
إسرائيل تعبث بالجغرافيا العربية من غزة إلى دمشق، ومن بيروت إلى طهران، وسط صمت رسمي عربي ودولي مخزٍ لا يتجاوز عتبة البيانات الجوفاء، التي تُرسل للاستهلاك الإعلامي، دون أي أثر في أرض الواقع.
ما يجري في سوريا اليوم هو استكمال لمشهد التفكك الذي يطال دولاً عربية عدّة: غزة تحترق، لبنان على فوهة بركان، السودان غارق في الدم، العراق مشتت، واليمن وليبيا بلا أفق، بينما تُعلن دول الخليج رسميًا تسليم أوراق الضغط الإقليمية طواعيةً، تحقيقًا لما يُسمى بـ”المصلحة الوطنية”، وكأن دماء الشعوب لا تدخل في معادلة المصالح!
تبدو اللعبة على الأرض العربية مفتوحة على كل السيناريوهات، والأسوأ لم يأتِ بعد. إسرائيل لا تكتفي بما أخذته من الأرض، بل باتت تملي شروطها على شكل سوريا القادم، بل وتنسّق حتى مع تركيا، كما أوردت وسائل إعلام إسرائيلية، في سابقة خطيرة تحمل دلالات إقليمية عميقة.
وفي هذا المناخ، تتصاعد المؤشرات نحو تحوّلات غير مسبوقة:
- السويداء ترفع أعلام الجيش الإسرائيلي.
- جرمانا تخرج في مظاهرات تنادي بإسقاط النظام.
- الجيش الإسرائيلي يهاجم قلب العاصمة السورية.
- الرئيس الشرع قد يخاطب الشعب الليلة، لكن بأي لغة؟ بلغة المهادنة؟ أم سيُعلن الجهاد؟
السؤال الحقيقي اليوم: هل ما زال أمام سوريا خيارات وطنية؟ وهل تملك النخب السورية الجرأة على مواجهة الواقع بدل دفنه في الشعارات؟
ربما آن الأوان لأن نتوقف عن تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية الانهيار، فالطريق إلى دمشق المُهانة لم تُعبَّد فقط بالطائرات الإسرائيلية، بل بمواقف عربية وسورية لا تقل خطورة.
قراءة تحليلية موجزة:
- سياسياً: تواطؤ ضمني من قيادة “الثورة السورية” مع بقاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان يفتح باب التساؤلات حول حدود الصفقة الكبرى المرسومة لسوريا.
- عسكرياً: إسرائيل لم تعد تتصرف برد الفعل، بل تبادر وتُخطط وتُنسق مع دول إقليمية كتركيا، وتحدد شكل الحكم السوري الجديد، وفقاً لمصالحها.
- اجتماعياً: التظاهرات في جرمانا ورفع أعلام الاحتلال في السويداء تمثل تحولاً صادماً في مزاج فئات من الشعب السوري الذي كان عدوًا معلنًا لإسرائيل.
- إعلامياً: الصمت العربي، والاكتفاء بالتنديد، يؤكد العجز الجماعي الذي تُترجمه “بيانات طحن الهواء” كما وصفها المقال.
خاتمة:
سوريا تُضرب اليوم ليس فقط بطائرات الاحتلال، بل بأوهام السياسة والمواقف الباهتة. فهل يستيقظ ضميرٌ قوميٌ ما من سباته الطويل؟ أم أن الجغرافيا العربية ستبقى أرضاً للتجارب والصفقات؟



