
أشرف أبو عريف
في خضم مرحلة إقليمية تتسم بالتصعيد العسكري والتوترات المتسارعة، تبرز سلطنة عُمان مجددًا كنموذج للدبلوماسية الهادئة التي توازن بين المبادئ والواقعية السياسية. فقد جاء موقف وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي ليؤكد أن مسقط لا تزال متمسكة بثوابتها التاريخية: رفض الحروب غير المشروعة، والدفاع عن القانون الدولي، والعمل على إعادة المنطقة إلى مسار التفاوض.
الموقف العُماني يكتسب أهميته من كونه يصدر في لحظة تتجه فيها بعض القوى الإقليمية والدولية نحو عسكرة الأزمات. وفي مقابل هذا المسار، اختارت مسقط أن ترفع لواء الشرعية الدولية، مؤكدة أن أي دعم أو تسهيلات لا يمكن أن تُمنح إلا في إطار دفاعي واضح وبتفويض صريح من مجلس الأمن. وهو موقف يعكس فلسفة سياسية عميقة في السياسة الخارجية العُمانية تقوم على الحياد الإيجابي والوساطة الدبلوماسية.
ولا يقف هذا الموقف عند حدود رفض الحرب فحسب، بل يمتد إلى قراءة أوسع لخلفياتها. فالتصريحات العُمانية تشير بوضوح إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بالملف النووي الإيراني، بل ترتبط بسياق أوسع من محاولات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، بما في ذلك الدفع باتجاه التطبيع مع إسرائيل وتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية. هنا يظهر البعد الاستراتيجي للموقف العُماني، الذي يربط بين الأمن الإقليمي والقانون الدولي وحقوق الشعوب.
كما يعكس موقف مسقط التزامًا واضحًا بالتضامن الخليجي والعربي، من خلال إدانة الاعتداءات التي طالت دول المنطقة والتأكيد على ضرورة حماية سيادتها. وفي الوقت ذاته، تحرص عُمان على ضبط ردود الفعل، وتجنب الانزلاق إلى دوائر التصعيد، وهو ما وصفه الوزير العُماني بأنه “رد محسوب ومسؤول” يحافظ على الاستقرار ويمنع تفاقم الأزمة.
وتكتمل صورة هذا النهج من خلال استمرار السلطنة في جهود الوساطة والسعي لوقف الحرب، إدراكًا منها أن استمرار الصراع لن يقتصر أثره على الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي، من خلال اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
في النهاية، يقدم الموقف العُماني درسًا سياسيًا مهمًا في إدارة الأزمات: أن الحكمة الدبلوماسية قد تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا من ضجيج السلاح. ففي زمن تتكاثر فيه الاصطفافات الحادة، تواصل مسقط لعب دور “الوسيط الهادئ” الذي يحافظ على قنوات الحوار مفتوحة، ويضع القانون الدولي فوق حسابات القوة.
وهكذا، تثبت سلطنة عُمان مرة أخرى أن الاعتدال ليس موقفًا ضعيفًا، بل خيارًا استراتيجيًا يعكس ثقة الدولة في قدرتها على حماية مصالحها وخدمة استقرار المنطقة.



