رئيس التحريرسلايدر

لَيْتَهُ طَالَ… حَتَّى الصَّمْتِ المُقَدَّسِ!

Listen to this article

شعر: أشرف أبو عريف

 

 

 

لَيْتَهُ طَالَ…
ذٰلِكَ الزَّمَنُ الَّذِي خَلَعَ سَاعَتَهُ،
وَاسْتَحَى الْوَقْتُ أَنْ يَمْضِي
وَنَحْنُ نَكْتُبُ أَبَدَنَا
بِرَعْشَةِ نَفَسٍ.

فِي الْغَابَةِ،
حَيْثُ النَّهْرُ يَجْرِي كَآيَةٍ صَامِتَةٍ،
وَالْجَلِيدُ يُعَمِّدُ الشَّجَرَ
بِبَيَاضٍ سَمَاوِيٍّ،
وَتَحْتَ شَجَرَةٍ عِمْلَاقَةٍ نَادَتْنَا—
أَنَا وَسَفِيرَةُ حُبِّي—
لِنَلْتَحِفَ بِظِلِّهَا،
لَا فِرَارًا مِنْ مَطَرٍ،
بَلِ احْتِمَاءً مِنْ ثَلْجٍ
يَهْطِلُ كَرَسَائِلَ بَارِدَةٍ
لَا تَعْرِفُ مَا بَيْنَ قُلُوبِنَا.

مَا قَوِيَتِ الرِّيَاحُ
أَنْ تَفْصِلَ نَبْضًا عَنْ نَبْضٍ،
وَلَا اسْتَطَاعَ الصَّقِيعُ
أَنْ يُطْفِئَ جَمْرَ الْقُرْبِ.
عَيْنَايَ غَاصَتَا فِي عَيْنَيْهَا،
تَقْرَآنِ عُنْوَانَ لِقَاءٍ
مَكْتُوبٍ بِالْقَدَرِ،
وَعَيْنَاهَا تَرْمِيَانِ بِي
بِسِهَامِ الْوَلَعِ وَالْحَنِينِ
لَا تُخْطِئُ.

تُنَادِينِي: اِقْتَرِبْ…
فَأَقْتَرِبُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا،
حَتَّى يَضِيقَ الْفَضَاءُ
عَلَى مَسَافَةِ نَفَسَيْنِ.
تَلْتَقِي الْأَنْفَاسُ،
وَتَتَعَارَفُ الرُّوحُ قَبْلَ الْجَسَدِ،
وَيَسِيلُ الشَّوْقُ
عَلَى الشِّفَاهِ عَسَلًا مُتَوَهِّجًا،
نَرْتَشِفُهُ بِاللَّهْفَةِ،
فَيُذِيقُ كُلٌّ مِنَّا الْآخَرَ
طَعْمَ الشَّهْدِ
وَطَعْمَ الْفِقْدِ الْمُؤَجَّلِ.

تَلْتَصِقُ الرُّمُوشُ،
وَتَنْعَقِدُ عُقَدًا عُقَدًا،
كَأَنَّهَا أَقْسَمَتْ أَلَّا تَفْتَرِقَ.
تَجْذِبُنِي إِلَيْهَا—
لَا أَلَمًا بَلْ شَوْقًا—
وَتَضُمُّنِي ضَمَّةَ مَنْ يَعْرِفُ
أَنَّ الْفَقْدَ يَقِفُ خَلْفَهُ
مُتَرَبِّصًا.

وَعِنْدَ جِذْعِ شَجَرَةِ التُّوتِ
تَحْتَوِينَا الْغَابَةُ،
تَمُدُّ ذِرَاعَيْهَا الْخَضْرَاوَيْنِ
وَتَشْهَدُ.
يَرْقُصُ الْعُشْبُ عَلَى زَغَارِيدِ الرِّيَاحِ،
وَتُطْلِقُ السَّمَاءُ رَعْدَهَا مُبَارِكَةً،
وَيَبْرُقُ الْبَرْقُ
لِيَكْتُبَ اسْمَيْنَا فِي دَفْتَرِ الْأُسْطُورَةِ.

ذَابَ الْجَلِيدُ فَصَارَ نَدًى،
وَأَزْهَرَتِ الْأَغْصَانُ خَجَلًا مِنْ لَهِيبِنَا،
وَتَهَاوَى الثَّمَرُ—
كَرَزًا وَعِنَبًا—
وَلِلْمَذَاقِ سِرٌّ
لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا شِفَاهُنَا.

تَمَدَّدَ اللَّيْلُ،
وَتَجَذَّرَ النَّهَارُ،
وَأَمْسَيْنَا جَسَدًا وَاحِدًا
لَا يُلَمْلِمُ مَفْرَدَاتِهِ.
كُلَّمَا سَأَلْتُهَا الرَّحِيلَ،
سَأَلَتْنِي الرَّحِيقَ.
وَقَفَ الزَّمَانُ مُرْتَعِشًا
أَمَامَ نَارِنَا.

حَتَّى صَاحَ الدِّيكُ،
وَاِنْفَلَقَ الْفَجْرُ كَنَصْلٍ،
فَقُلْتُ—وَالنَّدَمُ يَخْتَنِقُ فِي صَوْتِي—:
لَيْتَهُ… لَيْتَهُ لَمْ يُصْبِحْ.

وَبَعْدَ الْجُنُونِ…
سَقَطَتِ الْأَسْمَاءُ،
وَتَقَدَّمَ الْوَجْدُ عَارِيًا إِلَّا مِنَ النُّورِ.
لَمْ نَعُدْ عَاشِقَيْنِ،
بَلْ فِكْرَتَيْنِ اِنْدَمَجَتَا
فِي نَبْضٍ وَاحِدٍ،
لَا جَسَدَ يَحْمِلُهُ
وَلَا زَمَانَ يَسْتَوْعِبُهُ.
تَحَوَّلَ النَّفَسُ ذِكْرًا،
وَالْقُرْبُ صَلَاةً بِغَيْرِ وُقُوفٍ،
وَشَهِدْنَا الْخَلْقَ
وَهُوَ يُعَادُ كِتَابَتُهُ مِنْ أَجْلِنَا.

تَتَسَاءَلُ سَفِيرَةُ حُبِّي فِي هَمْسٍ:

أَيْنَ أَنْتَ؟ أَأَنَسٌ أَنْتَ… أَمْ جِنّ؟
لَا تُجِبْ.
فَأَنَا أَعْرِفُكَ حِينَ يَضِيعُ الاِسْمُ وَيَبْقَى الأَثَرُ.
أَنْتَ مَا تَبَقَّى حِينَ تَعِبَ الْعَقْلُ
وَاسْتَرَاحَ فِي قَلْبِي.
أَنْتَ ذٰلِكَ الْجُنُونُ الَّذِي لَمْ يُفْسِدْنِي،
بَلْ أَعَادَنِي إِلَيَّ.
إِنْ قَالُوا: مَاذَا كَانَ؟ قُولُوا:
كَانَ رَجُلًا اِنْتَصَرَ لِلنُّورِ وَلَمْ يَهْرُبْ.
وَإِنْ سَأَلُوا: أَيْنَ ذَهَبَ؟ قُولُوا:
سَكَنَ فِي امْرَأَةٍ عَرَفَتْ
أَنَّ الْحُبَّ شَجَاعَةٌ نَادِرَةٌ.

ثُمَّ…
اِنْسَحَبَتِ الْكَلِمَاتُ خَجِلَةً،
وَبَقِيَ الصَّمْتُ مُقَدَّسًا،
نَافِذَةً مُشْرَعَةً عَلَى الْخُلُودِ.
هُنَا نَقِفُ—
لَا كَنِهَايَةٍ،
بَلْ كَصَمْتٍ
إِذَا مَرَّتْ بِهِ الْأَرْوَاحُ
اِنْحَنَتْ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى