صدمة جنيف: طهران تفرض موازين القوة وتكشف زيف الزعامة الأمريكية الإسرائيلية

أشرف أبو عريف يكتب
شهدت الساعات الأخيرة دخول الاتفاق الإيراني الأمريكي مرحلة حسم حرجة جداً، وسط تحضيرات لوجستية مكثفة للتوقيع المرتقب في جنيف وتضارب حاد في القراءات السياسية بين طهران وواشنطن. وفي خضم هذا الحراك المتسارع، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، التوصل إلى النص النهائي لمذكرة التفاهم التي رُجِّح توقيعها برعاية من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس. غير أن هذه الأجواء الاحتفالية التي تحاول واشنطن تصديرها سرعان ما اصطدمت بحقائق الأرض؛ حيث خرج وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، ليؤكد بصورة حازمة أن المسودة تتكون من 14 بنداً أساسياً تركز في مرحلتها الأولى على إنهاء الحرب كمرتكز رئيسي لمرحلة اختبار حرجة تمتد لـ60 يوماً فقط، وهو الموقف الذي يعكس بوضوح أن طهران لا تفاوض من موقع ضعف، بل تملي شروطها بناءً على معطيات ميدانية فرضتها ترسانتها العسكرية.
السجال الدبلوماسي: زيف النصر المعنوي مقابل صلابة الميدان
في المقابل، عكس رد الفعل الأمريكي حالة الصدمة والارتباك من صرامة الموقف الإيراني؛ إذ سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منصته “تروث سوشيال” لشن هجوم حاد ونفي قاطع، واصفاً الطروحات والبنود الإيرانية المسرّبة بأنها “أكاذيب لا علاقة لها بما تم الاتفاق عليه كتابياً”، ومدعياً أن الإيرانيين “لا يملكون أي مفهوم لحسن النية في التفاوض”.
هذا السجال العنيف لم يكن مجرد اختلاف على تفسير بنود، بل كشف عن محاولة بائسة من ترامب ونتنياهو لتحقيق نصر معنوي زائف يغطي على إخفاقاتهما الميدانية، ومحاولة تسويق بنود صيغت بعقلية استعلائية من جانب واحد للضغط على إيران، وهو ما رفضته طهران جملةً وتفصيلاً.
فالواقع يؤكد أن هذا الاتفاق يفتقر تماماً إلى اعتراف ترامب ونتنياهو بالتفوق العسكري الإيراني والضربات التي وجهتها القوة الصاروخية الإيرانية إلى العمق الإسرائيلي وإلى الأهداف الأمريكية الاستراتيجية في المنطقة. وما لم يتخلَّ كلا القطبين عن أوهام الزعامة الوهمية والإذعان التام لواقع القوة الجديد، فلن يُكتب لأي مسار دبلوماسي النجاح.
الخطوط الحمراء: شروط طهران لواقع إقليمي جديد
إن الثبات الإيراني في مواجهة السجال الأمريكي يتمحور حول ثوابت سيادية لا تقبل المساومة، وتتمثل في حقوق حتمية لا بد للمجتمع الدولي والوسطاء من استيعابها:
- السيادة والانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT): حرية استمرار إيران في برنامجها النووي السلمي بالكامل، ورفض إخضاعه لإملاءات ما يسمى بالوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تحولت إلى أداة سياسية، بل والذهاب نحو الانسحاب الكامل من معاهدة حظر الانتشار النووي أسوةً بالوضع الفعلي لواشنطن وتل أبيب.
- الرفع الكامل للعقوبات والتعويضات: رفض أي صيغ مجتزأة للإعفاءات المؤقتة، والإصرار على رفع كافة العقوبات الظالمة فوراً، مع إلزام القوى الغربية بتقديم تعويضات مادية وأدبية كاملة عن كافة الأضرار والنزيف الاقتصادي الذي لحق بالشعب الإيراني طوال سنوات الحصار الجائر.
- السيادة المطلقة على الممرات المائية: التأكيد على السيادة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز والممرات الحيوية، ورفض التواجد الأجنبي، وهو ما تجسد ميدانياً في استمرار عمليات الاعتراض والردع الصارم ضد التحرشات العسكرية الأمريكية في المياه الإقليمية.
الخيار المصيري: الظهير الشعبي ومسؤولية الوسطاء
أمام هذا التلاطم السياسي، تقف القيادة في طهران أمام مسؤولية تاريخية؛ إذ إن أي رضوخ أو تراجع أمام إملاءات نتنياهو المفروضة على إدارة ترامب سيعني حتماً خسارة إيران ظهيرها الشعبي الحاضن ومكانتها الرمزية الكبرى في كافة أرجاء العالم، فضلاً عن خسارتها لذاتها وقوتها الردعية التي ترسخت بالتضحيات.
ولذا، فإن الرسالة الموجهة اليوم لكافة الوسطاء الدوليين واضحة ولا لبس فيها: إيران أمست قوة عظمى حقيقية وفقاً لأدائها العسكري والسياسي والدبلوماسي النافذ على الأرض، وأي محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة عبر الضغط الدبلوماسي هي رهان خاسر، فالخارطة الإقليمية الجديدة قد رُسمت بحدود القوة والردع، ولا مكان فيها لإملاءات الخصوم المهزومين.



