
بقلم: د. محمود ريحان
في زمنٍ أصبحت فيه المقارنات أسهل من التنفس، يكفي أن تفتح هاتفك دقائق حتى تشعر أن الجميع يعيش حياةً أفضل منك؛ هذا يملك ما لا تملك، وذاك وصل إلى ما لم تصل إليه، وآخر تبدو حياته كاملة بلا نقص. وهنا يبدأ السؤال الذي يطارد الإنسان منذ فجر التاريخ: لماذا ينقصني ما أراه عند غيري؟ ولماذا ترك الله في حياتي هذا العيب الذي يؤلمني؟
الغريب أن القرآن لا يجيب عن هذا السؤال بإعطائك تفسيرًا لكل ابتلاء، وإنما يغيّر زاوية النظر نفسها. ففي قصة الخضر مع موسى عليهما السلام، يقف العقل مندهشًا أمام رجلٍ يخرق سفينةً يملكها مساكين، وكأن الرحمة تحولت إلى إفساد، لكن ما بدا نقصًا كان في الحقيقة حماية، وما ظنه موسى فسادًا كان عين الحكمة. ثم يكشف القرآن السر في آية تحمل من الفلسفة الإيمانية ما تعجز عنه كتب بأكملها: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾؛ لقد كان العيب هو الذي أنقذ السفينة، ولو اكتملت لهلكت.
وهنا تتغير نظرتنا إلى الحياة كلها. فليس كل نقصٍ في حياتك علامة على أن الله حرمك، بل قد يكون هذا النقص نفسه هو الحارس الذي يحميك من خسارةٍ أكبر لا تراها. ربما خسرت وظيفة كنت تراها حلم عمرك، ولو بقيت فيها لضاعت صحتك أو دينك أو أسرتك. وربما تأخر زواج تمنيته، بينما كان في التعجيل شقاء لا تعلمه. وربما لم تُرزق بما تظنه نجاحًا، لأن هذا النجاح نفسه كان سيقودك إلى غرور يهدم إنسانيتك. نحن ننظر إلى اللحظة، والله ينظر إلى العمر كله، بل إلى ما بعد العمر.
إن أكبر مشكلة يعيشها إنسان العصر أنه يقيس رحمة الله بما يراه بعينيه، بينما الإيمان الحقيقي هو أن تثق فيما لا تراه بعد. فالعقل البشري يرى الجزء الظاهر من الصورة، أما القدر فيتحرك في أبعاد لا يحيط بها الإنسان. ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، ولم يقل: “وستعرفون الخير فورًا”؛ لأن بعض الحكم تُكشف في الدنيا، وبعضها لا يظهر إلا بعد سنوات، وبعضها سيظل غيبًا حتى يقف الإنسان بين يدي الله، فيدرك أن ما كان يبكي عليه يومًا كان من أعظم أسباب نجاته.
ولعل هذا هو المعنى الذي نفتقده في زمن الكمال المصطنع. فوسائل التواصل تعرض السفن بعد طلائها، ولا تعرض الثقوب التي أنقذتها. نرى النتائج ولا نرى المعارك، ونقارن ظاهر حياتنا بظاهر حياة الآخرين، مع أن لكل إنسان سفينة فيها موضع مكسور لا يعرف سره إلا الله. ولذلك أصبح كثير من الشباب يظن أن السعادة تعني أن تختفي كل العيوب، بينما يعلمنا القرآن أن بعض العيوب ليست دليلًا على غياب الرحمة، بل هي صورتها الخفية.
وليس المقصود أن يستسلم الإنسان لكل نقص، أو يترك إصلاح ما يستطيع إصلاحه، فالإسلام دين العمل والأخذ بالأسباب، لكن المقصود ألا يتحول ما لا يملكه إلى سبب لفقدان الرضا، وألا يظن أن الخير لا يأتي إلا في الصورة التي رسمها هو لنفسه. فكم من باب أُغلق ليمنع الإنسان من طريقٍ يظنه نورًا وهو هاوية، وكم من أمنية تأخرت حتى جاءت في وقتٍ كانت فيه أجمل وأصلح.
إن المؤمن لا يعيش على تفسير كل شيء، بل يعيش على الثقة بمن يدبر كل شيء. وهذه هي النقلة الكبرى التي يصنعها القرآن في القلب؛ فهو لا يَعِدك بحياةٍ بلا ثقوب، وإنما يعدك بربٍ لا يخرق سفينةً إلا لينقذها، ولا يمنع عطاءً إلا ليمنح ما هو خير، ولا يؤخر أمرًا إلا لأن توقيته لم يحن بعد. فإذا فهم الإنسان هذه الحقيقة، هدأت نفسه، ولم يعد يسأل في كل ابتلاء: “لماذا أنا؟” بل أصبح يقول: “يا رب، لا أعرف الحكمة الآن، لكني أعرفك، وأثق أن اختيارك لي خير من اختياري لنفسي.”
لذلك، إذا رأيت في سفينتك عيبًا يؤلمك، فلا تتعجل بلعن الثقب، فقد يكون هو السبب في أنها ما زالت تطفو حتى اليوم. وربما يأتي يوم، في الدنيا أو عند لقاء الله، تنظر إلى حياتك كلها فتبتسم، وتقول: الآن فقط فهمت… لم تكن سفينتي معيبة، بل كانت محفوظة برحمة الله.



