مِنْ شِيرَازَ إِلَى النِّيلِ
حَافِظٌ وَالْخَيَّامُ… حِينَ تَتَعَانَقُ الْحِكْمَةُ وَالْمَحَبَّةُ عَلَى ضِفَافِ مِصْرَ

شعر: أشرف أبو عريف
فِي شِيرَازَ أَشْرَقَتْ شَمْسُ الْهَوَى قَدَرًا، وَفِي رُبَاهَا سَرَى لِلْحُبِّ تَفْسِيرُ.
وُلِدَ حَافِظٌ، وَالْأَيَّامُ شَاهِدَةٌ، أَنَّ الْجَمَالَ لَهُ فِي الْقَلْبِ تَأْثِيرُ.
فِي الْقَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ اسْتَهَلَّ دُنَاهُ، وَفِي مَدَاهُ تَفَتَّحَ الشِّعْرُ وَالنُّورُ.
شِيرَازُ، يَا مَهْدَ أَحْلَامٍ وَعَاطِفَةٍ، فِيكِ اسْتَحَالَتْ حُرُوفُ الشِّعْرِ عِطْرًا يَفُوحُ وَعَبِيرًا.
حَفِظْتَ كِتَابَ الْهُدَى، فَاسْتَنْطَقَتْ فِيكَ الْبَيَانَ، وَطَابَ الْحَرْفُ وَالنُّورُ.
وَصَارَ لَقَبُكَ الْمَأْثُورُ يَحْمِلُهُ تَارِيخُ شِيرَازَ، وَالْأَشْعَارُ وَالدُّهُورُ.
لَمْ تَجْعَلِ الشِّعْرَ أَلْفَاظًا مُزَوَّقَةً، بَلْ كَانَ فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْكَ تَفْكِيرُ.
تَجْمَعُ فِيهِ جَمَالَ اللَّفْظِ مُنْسَكِبًا، وَفِي مَعَانِيهِ لِلْأَرْوَاحِ تَنْوِيرُ.
يَا شَاعِرَ الْحُبِّ، هَلْ تَدْرِي بِأَنَّ هَوًى يُحْيِي الْقُلُوبَ، وَأَنَّ الشَّوْقَ تَطْهِيرُ؟
وَأَنَّ عَيْنَ الْمُحِبِّ الْحُرِّ إِنْ نَظَرَتْ، رَأَتْ وَرَاءَ حُجُبِ الْأَيَّامِ مَا يُنِيرُ؟
غَنَّيْتَ لِلْوَرْدِ، لِلْأَحْبَابِ، لِلْقَمَرِ، وَلِلرُّوحِ إِذْ يَسْتَفِيقُ الْحُلْمُ وَالنُّورُ.
فَالْحُبُّ عِنْدَكَ لَيْسَ الْقَلْبَ يَحْمِلُهُ، بَلْ فِي مَدَاهُ لِلْأَرْوَاحِ تَحْرِيرُ.
وَكَمْ تَرَكْتَ عَلَى أَبْوَابِنَا أَمَلًا، حَتَّى غَدَا الْيَأْسُ فِي أَعْمَاقِنَا يَطِيرُ.
وَكَأْسُ شِعْرِكَ أَحْيَا فِي النُّفُوسِ سُؤَالًا: أَسِحْرُ خَمْرٍ، أَمِ الْعِرْفَانُ وَالتَّفْسِيرُ؟
أَخَمْرُ كَرْمٍ تَرَاهَا فِي قَصَائِدِكَ، أَمْ نَشْوَةُ الرُّوحِ إِذْ يَصْفُو لَهَا السَّيْرُ؟
فِي الرَّمْزِ تَسْكُنُ أَسْرَارٌ مُحَيِّرَةٌ، وَفِي الْمَجَازِ لِأَهْلِ الذَّوْقِ تَنْوِيرُ.
وَكَمْ كَشَفْتَ نِفَاقَ الْمُدَّعِينَ، وَمَا لِلزَّيْفِ عِنْدَ صُرُوحِ الْحَقِّ تَسْتِيرُ.
فَلَيْسَ كُلُّ الَّذِي يَرْتَدِي عِبَرًا يَصْفُو فُؤَادُهُ، أَوْ فِيهِ ضَمِيرُ.
عَاشَ حَافِظٌ فِي عَصْرٍ تَقَلَّبَتْ فِيهِ اللَّيَالِي، وَتَغْيِيرٌ وَتَدْبِيرُ.
رَأَى الْحَيَاةَ، وَمَا فِي الْحُكْمِ مِنْ دُوَلٍ، تَأْتِي وَتَمْضِي، وَيَبْقَى الشِّعْرُ وَالذِّكْرُ.
لَمْ يَكُنِ الْمُلْكُ فِي عَيْنَيْهِ مُعْجِزَةً، فَالْعُمْرُ يَمْضِي، وَيَفْنَى الْجَاهُ وَالْفَخْرُ.
وَالْحُرُّ يَكْتُبُ لِلْإِنْسَانِ أُغْنِيَةً، تَبْقَى إِذَا صَمَتَتْ فِي الْقَصْرِ أَسَاطِيرُ.
وَدِيوَانُ حَافِظٍ بَحْرٌ لَهُ أُفُقٌ، فِيهِ الْمَعَانِي نُجُومٌ لَيْسَ تَغُورُ.
حَمَلَتْهُ لُغَاتُ الْأَرْضِ مُنْدَفِعَةً، وَطَافَ فِي كُلِّ أُفُقٍ مِنْهُ تَأْثِيرُ.
وَفِي الْمَحَافِلِ أَصْغَى لَهُ أَدَبٌ، وَاسْتَلْهَمَتْ مِنْ مَعَانِيهِ الْعَصَافِيرُ.
وَفِي أَلْمَانْيَا أَيْضًا لَهُ صَدًى، وَغُوتِهْ بِحُبِّهِ لِلشِّعْرِ مَشْهُورُ.
فَصَارَ حَافِظٌ لِلْآفَاقِ أُغْنِيَةً، وَصَارَ دِيوَانُهُ لِلْحُبِّ دُسْتُورًا.
وَفِي شِيرَازَ مَضَى جِسْمًا، وَمَا رَحَلَتْ عَنْهَا الْقَصَائِدُ، فَالْأَشْعَارُ تَحْيَا دُهُورًا.
وَفِي حَافِظِيَّةٍ تَحْيَا حِكَايَتُهُ، وَيَسْتَرِيحُ عَلَى أَشْعَارِهِ الزُّوَّارُ.
يَأْتِي الْغَرِيبُ، وَفِي عَيْنَيْهِ أَسْئِلَةٌ، فَيَرْجِعُ الْقَلْبُ وَالْأَحْلَامُ مَسْرُورًا.
كَأَنَّمَا قُلْتَ لِلْأَجْيَالِ قَاطِبَةً: مَنْ يَزْرَعِ الْحُبَّ، لَا يَفْنَى لَهُ أَثَرُ.
وَتَمْضِي الْقَصِيدَةُ مِنْ شِيرَازَ رَاحِلَةً، حَتَّى يُعَانِقَ نِيلُ الْخُلْدِ شِيرَازَا.
وَهُنَا، عَلَى ضِفَافِ النِّيلِ، يَجْمَعُنَا حُلْمٌ يُحَوِّلُ صَمْتَ الْبُعْدِ إِيناسًا.
حَافِظٌ يُطِلُّ، وَفِي عَيْنَيْهِ أُغْنِيَةٌ، وَالْخَيَّامُ يَأْتِي، وَفِي أُفْقِهِ احْتِرَاسًا.
لَا تَدَّعِي الْأَيَّامُ أَنَّ لِقَاءَهُمَا حَدَثٌ تَحَقَّقَ؛ فَالْأَحْلَامُ تَسْتَأْنِسُ.
هَذَا لِقَاءٌ نَسَجْنَاهُ بِقَافِيَةٍ، فِيهِ الْخَيَالُ مَعَ التَّارِيخِ يَتَّصِلُ.
قَالَ الْخَيَّامُ: أَيَا حَافِظُ، هَلْ بَقِيَتْ فِي الْعُمْرِ أَسْئِلَةٌ، وَالْقَلْبُ يَشْتَعِلُ؟
قَالَ حَافِظٌ: إِنَّ الْحُبَّ مَعْرِفَةٌ، وَإِنَّ صَوْتَ الْهَوَى بِالْحَقِّ يَكْتَمِلُ.
قَالَ الْخَيَّامُ: وَالْأَيَّامُ رَاحِلَةٌ، فَلِمَ نُطَارِدُ سِرًّا لَيْسَ يُنْتَزَعُ؟
قَالَ حَافِظٌ: دَعِ الْأَرْوَاحَ تَسْأَلُهَا، فَالْقَلْبُ بِالْحُبِّ لَا بِالْخَوْفِ يَرْتَفِعُ.
وَالنِّيلُ يَسْمَعُ، وَالْأَمْوَاجُ صَامِتَةٌ، كَأَنَّمَا الْمَاءُ لِلْأَسْرَارِ يَسْتَمِعُ.
وَالْخَيْمَةُ الْخَضْرَاءُ فِي الْأُفْقِ الْبَعِيدِ بَدَتْ، وَالْوَرْدُ يَفْتَحُ لِلْأَحْلَامِ مَا اتَّسَعَ.
هُنَا لَا شِعْرُ فَارِسَ وَحْدَهُ يَزْدَهِي، وَلَا الْحِكْمَةُ الْقَدِيمَةُ وَحْدَهَا تُرْتَجَى.
هُنَا الْقُلُوبُ إِذَا مَا الْحُبُّ جَمَعَهَا، لَا تَعْرِفُ الْبُعْدَ، لَا حَاجِزًا، لَا جَفَا.
يَا مِصْرُ، يَا ضَفَّةَ التَّارِيخِ، يَا وَطَنًا، فِيهِ الْحَضَارَاتُ أَضْحَتْ لِلْوَرَى جِسْرًا.
مِنْ فَجْرِ نِيلِكِ تَمْضِي الْقَافِلَاتُ إِلَى آفَاقِ شِيرَازَ، تَحْمِلُ عِطْرَهَا عِطْرًا.
فِيكِ الْحَضَارَاتُ لَا تَحْيَا مُفَرَّقَةً، بَلْ تَسْتَحِيلُ عَلَى ضِفَّيْكِ مُؤْتَمَرًا.
فَارِسُ تُهْدِي مِنَ الْأَشْعَارِ أَجْمَلَهَا، وَمِصْرُ تَفْتَحُ لِلْإِنْسَانِ مَا اسْتَتَرَا.
مِنْ حِكْمَةِ الْخَيَّامِ يَأْتِي السُّؤَالُ صَدًى، وَمِنْ حَرِيرِ الْقَوَافِي يَنْبُتُ الْفِكْرُ.
وَمِنْ حَدِيثِ حَافِظٍ تَسْرِي مَحَبَّتُهُ، فَيَزْهُو الْوُدُّ، وَيَخْضَرُّ الَّذِي قَفَرَا.
يَا نِيلُ، قُلْ لِلْوَرَى: إِنَّ الْقُلُوبَ إِذَا تَآخَتِ الْيَوْمَ، لَمْ تَعْرِفْ لَهَا خَطَرًا.
لَا شَرْقُ يَنْفَصِلُ عَنْ شَرْقٍ يُشَابِهُهُ، وَلَا الْمَحَبَّةُ تَرْضَى الْحَدَّ وَالسُّورَا.
إِنَّ الْحَضَارَاتِ إِذَا مَا الْوُدُّ جَمَعَهَا، صَارَ اخْتِلَافُهَا لِلْعَالَمِينَ ثَرَاءً.
فَمِصْرُ تَبْقَى لِكُلِّ الْحُلْمِ نَافِذَةً، وَلِلْحِوَارِ، وَلِلْإِنْسَانِ مُسْتَقَرًّا.
يَا حَافِظَ الشِّيرَازِيِّ، يَا قَمَرًا، يُضِيءُ لِلرُّوحِ، لَا تَطْوِيهِ أَعْصَارٌ.
أَنْتَ الَّذِي جَعَلَ الْأَشْعَارَ أَجْنِحَةً، وَفِي مَدَاكَ لِأَحْلَامِنَا مَسَارٌ.
لَا يَحْبِسُ الْقَبْرُ صَوْتًا صَاغَهُ أَمَلٌ، وَلَا تُغَيِّبُهُ الْأَعْوَامُ وَالْأَسْفَارُ.
فَالْحُبُّ يَبْقَى، وَإِنْ غَابَتْ مَلَامِحُنَا، وَالْحَرْفُ يَحْيَا، وَإِنْ غَابَتْ بِهِ الدَّارُ.
شِيرَازُ تَفْخَرُ، وَالدُّنْيَا تُرَدِّدُهَا: حَافِظُ الْحُبِّ، فِي التَّارِيخِ مِعْطَارٌ!
وَيَا خُيُوطَ الْمَحَبَّةِ، مِنْ شِيرَازَ إِلَى نِيلِ الْكَرَامَةِ، لَا تَفْنَى لَنَا دَارٌ.
إِنْ كَانَ حَافِظٌ قَدْ أَهْدَى الْوَرَى قَصَصًا، فَالْخَيَّامُ أَوْدَعَ فِي الْأَفْكَارِ أَسْرَارًا.
وَمِصْرُ تَجْمَعُهُمَا حُلْمًا وَأُغْنِيَةً، فَالْحُبُّ جِسْرٌ، وَفِي الْإِنْسَانِ أَوْطَارٌ.
مِنْ شِيرَازَ إِلَى النِّيلِ، تَمْضِي قَصِيدَتُنَا؛ وَيَبْقَى الْوِدَادُ، وَيَحْيَا الشِّعْرُ وَالْإِنْسَانُ.



