رئيس التحريرسلايدر

نبيل فهمي.. من استعادة الثقة إلى استرداد مجد الجامعة العربية.. انطلاقة مبشّرة تعيد للجامعة صوتها وتأثيرها.. والإعلام شريك في صناعة الوعي العربي

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

ليست كل الكلمات التي تُلقى في المحافل الرسمية مجرد خطب بروتوكولية، فبعضها يحمل ملامح مرحلة جديدة، ويكشف عن رؤية تتجاوز حدود المناسبة إلى آفاق أوسع من العمل والتأثير. ومن هذا المنطلق، تبدو كلمة السيد نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، أمام الدورة العادية السادسة والخمسين لمجلس وزراء الإعلام العرب، في الرابع من نوفمبر 2026، إشارة مبشّرة إلى انطلاقة جديدة في مسيرة الجامعة العربية، وإلى توجه جاد نحو استعادة دورها ومكانتها ومجد العمل العربي المشترك.

إن ما يلفت الانتباه في خطاب فهمي ليس فقط تناوله للتحديات السياسية والإقليمية والدولية، وإنما اتساع زاوية الرؤية إلى دور الجامعة العربية باعتبارها مؤسسة لا ينبغي أن يقتصر حضورها على إدارة الأزمات، بل يمتد إلى صناعة المستقبل، ودعم التنمية، وبناء الوعي، والدفاع عن الهوية والمصالح العربية.

وهنا تكمن أهمية الرسالة؛ فالجامعة العربية، التي تأسست لتكون بيتاً جامعاً للعرب ومنبراً لقضاياهم، تمتلك من التاريخ والخبرات والإمكانات ما يؤهلها لاستعادة فاعليتها، شريطة أن يتحول العمل العربي المشترك من حدود البيانات والمواقف إلى مسارات عملية ونتائج يشعر بها المواطن العربي في حياته اليومية.

فهمي.. رؤية تتجاوز السياسة إلى الإنسان

من أبرز ما حملته الكلمة أن الأمين العام لم يحصر اهتمامه في الملفات السياسية، رغم ما تشهده المنطقة من صراعات وتوترات وتحديات أمنية وجيوسياسية واقتصادية، بل أكد أن الجامعة العربية تضطلع كذلك بأدوار اقتصادية واجتماعية وتنموية تمس حياة المواطن العربي بصورة مباشرة.

وهذه نقطة جوهرية في فهم طبيعة المرحلة المقبلة؛ إذ إن استعادة الجامعة العربية لمكانتها لا تتحقق فقط بمواقفها تجاه الأزمات، وإنما بقدرتها على التأثير في حياة الشعوب، وتعزيز التعاون بين الدول، وتقديم مشروعات ومبادرات قابلة للتنفيذ والقياس.

ولعل تأكيد فهمي تطلعه إلى شراكة أوسع مع الإعلام العربي لإبراز جهود الجامعة ومؤسساتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، يعكس إدراكاً مهماً بأن إنجازات العمل العربي المشترك لا تكفي وحدها، بل تحتاج إلى إعلام قادر على تقديمها للرأي العام، وشرح أثرها، ومتابعة نتائجها.

الإعلام العربي.. من نقل الحدث إلى صناعة التأثير

لقد وضع فهمي الإعلام أمام مسؤولية تتجاوز نقل الأخبار وتغطية الأحداث؛ فالإعلام، وفقاً لرؤيته، عنصر مؤثر في تشكيل الوعي والهوية، وصناعة الرأي العام، ومواجهة التضليل، والتصدي للإرهاب، ونشر قيم التسامح والاعتدال.

وهذه الرؤية تستحق التوقف أمامها، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، حيث لم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل امتدت إلى العقول والشاشات والمنصات الرقمية، وأصبحت المعلومة سلاحاً، والكلمة أداة تأثير، والوعي خط الدفاع الأول عن الدول والمجتمعات.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى شراكة استراتيجية بين الجامعة العربية والمؤسسات الإعلامية تمثل أحد أهم مفاتيح استعادة الحضور العربي في المشهد الدولي، وتستدعي بناء خطاب إعلامي مهني في القضايا المصيرية، دون أن يكون ذلك على حساب التعددية أو استقلالية المؤسسات الإعلامية.

فلسطين.. القضية التي لا تقبل الغياب

وفي القلب من هذه الرؤية، جاءت فلسطين حاضرة بقوة في كلمة الأمين العام، من خلال تأكيده ضرورة تكثيف الدعم الإعلامي للقضية الفلسطينية بجهد ملموس ومتناسق ومتواصل، في ظل الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، ومن بينهم الصحفيون والإعلاميون.

وهنا تتجدد مسؤولية الجامعة العربية وإعلامها في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة، ومواجهة محاولات طمس الحقيقة، وحشد التأييد الدولي لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

ففلسطين ليست ملفاً إعلامياً عابراً، وإنما اختبار دائم لضمير الأمة، ولمصداقية مؤسساتها، وقدرتها على تحويل المواقف إلى تأثير دولي حقيقي.

التربية الإعلامية والذكاء الاصطناعي.. استشراف المستقبل

ومن المؤشرات المهمة في خطاب فهمي أنه لم يتوقف عند تحديات الحاضر، بل اتجه إلى استشراف المستقبل، من خلال تأكيد أهمية الاستراتيجية العربية للتربية الإعلامية والمعلوماتية، وإدراجها في المناهج التعليمية، لبناء أجيال تمتلك القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، وتقييم المحتوى وفهم مصادره.

كما تناول الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أبرز التحولات التي تعيد تشكيل صناعة الإعلام، بما يتيحه من فرص في جمع المعلومات وتحليلها وإنتاج المحتوى، وما يفرضه في المقابل من تحديات تتعلق بالتزييف العميق والخصوصية والملكية الفكرية والمسؤولية الأخلاقية.

وهذا يعني أن الجامعة العربية مطالبة بأن تكون حاضرة في صياغة مستقبل الإعلام، لا مجرد متلقية لتحولاته، وأن تعمل على بناء قدرات عربية رقمية قادرة على المنافسة، مع الحفاظ على الهوية والسيادة الرقمية.

الصومال.. رسالة عربية تتجاوز حدود المؤتمرات

ولم تكن التحركات المصاحبة للدورة السادسة والخمسين أقل أهمية من الكلمة ذاتها؛ فقد جاء استقبال الأمين العام للسيد عبد الفتاح قاسم محمود، وزير الإعلام والثقافة والسياحة بجمهورية الصومال الفيدرالية، ليعكس توجهاً نحو تحويل التعاون العربي إلى برامج عملية.

فبحث احتياجات الوزارة الصومالية، ودعم قدراتها المؤسسية والبشرية، وتدريب كوادرها، وتحديث أدوات إنتاج المحتوى والاتصال الحكومي، يمثل نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه العمل العربي المشترك: مساندة المؤسسات الوطنية، ونقل الخبرات، وبناء القدرات، وتحويل التضامن العربي إلى إنجاز ملموس.

كما أن الإشارة إلى تسليم بعثة الجامعة العربية في مقديشو مساعدات طبية لوزارة الصحة الصومالية، في إطار قرارات مجلس وزراء الصحة العرب، تؤكد أن رسالة الجامعة لا تنفصل عن احتياجات الشعوب، وأن التضامن العربي الحقيقي يمتد من الإعلام والثقافة إلى الصحة والتنمية والاستقرار.

استعادة المجد.. مسؤولية مؤسسة وإرادة أمة

إن قراءة هذه التحركات مجتمعة، من خطاب الأمين العام إلى تعزيز الشراكة الإعلامية، ومن دعم القضية الفلسطينية إلى مساندة الصومال، تفتح الباب أمام التفاؤل بمرحلة جديدة في مسيرة جامعة الدول العربية.

لكن التفاؤل وحده لا يكفي؛ فاستعادة المجد العربي تحتاج إلى رؤية متكاملة، وإرادة سياسية، وتنسيق مؤسسي، وآليات تنفيذ ومتابعة، وإعلام عربي قادر على أن يكون شريكاً في البناء والتنوير، لا مجرد شاهد على الأحداث.

ولعل الرسالة الأهم في خطاب نبيل فهمي أن الجامعة العربية تستطيع أن تستعيد بريقها عندما تقترب من المواطن، وتدافع عن قضاياه، وتدعم تنمية دوله، وتجمع كلمته، وتستثمر في مستقبله.

إنها انطلاقة مبشّرة، نأمل أن تكون بداية لاستعادة الثقة في الجامعة العربية، واسترداد مكانتها ودورها التاريخي، وأن تحمل قيادة نبيل فهمي نقلة نوعية من إدارة التحديات إلى صناعة المبادرات، ومن حضور المناسبات إلى التأثير في مسار الأحداث.

فالعرب لا تنقصهم القضايا العادلة، ولا التاريخ المشترك، ولا الطاقات البشرية؛ وإنما يحتاجون إلى مؤسسة جامعة تمتلك الرؤية والفاعلية، وتستطيع أن تجعل من التضامن قوة، ومن التنسيق إنجازاً، ومن الحلم العربي واقعاً.

فالجامعة العربية ليست مجرد مقر يجمع الدول، بل بيت الأمة الذي يستحق أن يستعيد صوته ومكانته ومجده.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى